معرض الكتاب بالقصر الكبير

صباح أمس كنت في زيارة خاطفة وسريعة لافتتاح المعرض الجهوي في نسخته الحادية عشرة بمدينتي الفاضلة، وكنت على موعد مع زيارة صديق الطفولة، صاحب دار القرويين للنشر والتوزيع السيد محمد ربيع بنعود، وكنت أقصد أن أطمئن عليه وعلى مقامه بيننا في مدينتنا.

كانت الأشغال تجري على قدم وساق استعدادا لهذا الاحتفال الثقافي المتميز الذي تحظى به المدينة في هذه السنة، فالأمر جميل، وسنة حميدة في مدينة العلم والثقافة والفن والإبداع والشعر…

خرجت من المعرض بعد أقل من عشر دقائق، فالأشغال مازالت لم تكتمل بعد.

فرحت كغيري ممن يفرحون بالأشياء الجميلة التي تتحلى بها مدينتي وتتزين.

عند خروجي من الباب الرسمي للمعرض فوجئت بصوت من خلف، عرفته هو، فصوته لا يخفى علي، ونبراته لا تخطئها أذني،

التفت على جناح السرعة، ولم أكن لأتوقع أن ألتقي به اللحظة، لكن حرصه على نجاح هذه النسخة من المعرض جعلته يحل صباحا، ولربما كان من أول الحاضرين حتى قبل عمال النظافة.

وبأسلوبه المتميز والمتفرد في التواصل، وبلغته البسيطة ناداني:

– آ المناضل، آ المناضل….. قلت: نعم سيدي الرئيس، من باب إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها.

ولربما يريد أن يستبق الأحداث، خاطبني حسيرا:

– ما بال مثقفي القصر الكبير!؟

(كيف ما ديرتيها معاهم وحلة)!!! هكذا عبر بلغته ولسانه الدارج.

وهو يقصد النقاش الذي يدور حاليا بمواقع التواصل الاجتماعي، عن إقصاء بعض الوجوه، وعن سبب اختيار آخرين بقصد أو عن غير قصد.

ولعله يريد مني أن أعذره في هذا الذي صنع، قلت: يا سيدي إذا صنعت جميلا وافقناك وشجعناك، وإن أخطأت قومناك وانتقدناك بأدب ولباقة مطلوبة.

تركته، فالرجل مشغول، ورجعت إلى حال سبيلي، أناقش مع ذاتي هذا الحدث، وهذه التظاهرة الثقافية المتميزة التي تتزين بها مدينتي، عرس ثقافي في قلب مدينة التاريخ، مدينة وادي المخازن، مدينة العلم والعلماء.

قلت هي مناسبة، وفرصة مواتية للعلماء، والأدباء والشعراء ليقدموا أعمالهم، ويحتفى بهم، في قلب مدينتهم المعطاءة.

وحتى أكون منصفا، وأحظى بلقب المناضل، الذي شرفني به السيد رئيس المجلس الجماعي بالقصر الكبير، في لقائي به صبيحة هذا اليوم، وتفاعلا مع ما يكتب في العالم الافتراضي عن الإقصاء والتهميش الذي طال البعض، والاحتفاء والترميز الذي حظي به البعض الآخر.

فتحت هاتفي أبحث من خلاله على برنامج هذا الأسبوع الثقافي، فجعلت أتفحص بعضا ممن أعرفهم، وحصل لي الشرف أن قرأت بعضا من أعمالهم.

تصفحت على عجل البرنامج من ألفه ليائه فلم أجد لهم أثرا، قلت: هل سقط هؤلاء سهوا؟ أم هو أمر دبر بليل؟

ولأني مهووس هذه الأيام بقراءة بعض الأعمال الروائية، بحثت عن اسم مصطفى الجباري فلم أجده، وهو كاتب روائي متميز، فهو صاحب: “طقوس المتاهة” – “الشيخ والجبل” – “الوجه الآخر لمدينة البحر” – “التاريخ يمزح” – “أقواس حزينة” (روايات) ومجموعة قصصية تحت عنوان “مزرعة النفايات”.

(وصل إلى مقبرة المدينة فهاله المشهد، عمال البلدية في حملة جماعية يشذبون تلك الأغصان المتدلية على القبور في فوضى متناثرة ويقلعون أعواد القصب من الجذور، لأن مقبرة المدينة معروفة بكثرة أعواد القصب.
وقف يتأمل، فانبرى خياله الصامت يردد لحن فرحة مندهشة:

– تراهم رجعوا إلى رشدهم، وعاد إليهم حنينهم إلى أصول النظافة والجمال؟ أم أن وزيرا أو شخصية رفيعة المستوى ستزور مدينتنا؟ أرجو ألا تنقطع زيارة الكبراء لهذه المدينة العريقة في الوحل والعفونة).

تذكرت هذا النص، وأنا أركب سيارتي التي كنت قد ركنتها قرب مكتب الشرطة قبالة الساحة التي يوجد بها المعرض الجهوي للكتاب.

هالني منظر جميل للتشوير، وصباغة باللونين الأبيض والأحمر على تلك المطبات الغريبة التي تتميز بها مدينتي، مطبات ليس لها مثيل ربما في العالم.

هذه المطبات تذكرني بالزمن الجميل، الجيل الذي كان يستمتع بمشاهدة قناة واحدة، وكان من ضمن ما كان يفرض علينا أن نشاهده وبالتفصيل الممل “أسبوع الفرس” تذكرت من خلال هذه المطبات تلك الحواجز التي كان يتجاوزها الفارس البارع بنجاح، وقد يحصل في بعض الأحيان -وهي طبعا قليلة- أن يفشل الفارس في تجاوز بعضها أو أصعب هذه الحواجز.

فها نحن اليوم في هذه المدينة العريقة، نستمتع بالقفز فوق هذه المطبات، المهلكات المزعجات (والمصيبات) التي تزعج السكان المحليين قبل الضيوف.

ولست أدري كيف وافق أهل الخبرة على مثل هذه المهزلة، ولم أر مثل هذه المطبات في مدينة من مدن المملكة، ولا حتى في الخارج، فمن أين إذن جاءنا هذا الاجتهاد في صناعة هذه المطبات التي تزرع البؤس والعبث في جنبات مدينة عريقة في الوحل والعفونة، كما عبر بذلك الروائي مصطفى الجباري.

أليس في القوم رجل رشيد هكذا قلت في خيالي؟ يمنع هذا الذي حصل ويستنكر على المجلس الموقر مثل هذه المهزلة.

قلت: لهذا السبب لم أجد اسم الكاتب والقصاص الروائي مصطفى الجباري ضمن المحتفى بهم في هذا الأسبوع الثقافي، هذا ذنبه، ربما لأنه كتب (أقواس حزينة) ولربما لو جعلها (أقواس مبتهجة مسرورة) لحظي كغيره بالتفاتة ما.

تركت الجباري، وبحثت عن كاتب آخر، أخذ بلبي وأسرني بعمل عظيم، رواية قرأتها فأثرت في أيما تأثير، عمل رائد في عالم الأدب، ولعلها من أعظم وأجمل ما قرأت في حياتي، رواية كنت أقرأها وأنا أكفكف الدمع عن مقلتي، إنها “فك رقبة” للكاتب الروائي المقتدر رضا تنافعت، قلت: ماذا عن هذا الكاتب الروائي الشاب؟ الذي استوطن هذه المدينة وسكنته قبل أن يسكنها، وخرجت أعماله من رحم هذه المدينة، لماذا طاله النسيان هو الآخر؟ هل سقط سهوا هو الآخر كما سقط صاحبه الجباري؟

أليس من العيب أن لا نجد في معرض جهوي ذكرا لروائي كبير حقا كمصطفى الجباري، أكاد أجزم أنه فنيا وإبداعيا فيودور دوستويفسكي المغرب وأما رضا تنافعت فقد قيل عنه إنه مستقبلا نجيب محفوظ وأسماء أخرى كثيرة لا تقل شموخا عن هؤلاء كالروائي أحمد سلام ادريسو…

أم هو أمر دبر بليل في واضحة النهار؟

ترى ألا يكون هذان الروائيان ينتميان لجهة غير التي يرضى عنها السيد الرئيس وحتى الحاشية المباركة؟ قلت: هل من الضروري ليحتفى بي وأكون ضمن الأسماء المؤثرة في عالم الأدب والفن، أن أكون مواليا للرئيس ولبطانته وحاشيته ومن مقربيه؟

يقولون الرياضة أصلحت ما أفسدته السياسة، وأنا أقول: السياسة أفسدت الثقافة، ورحم الله عالم المستقبليات الدكتور المهدي المنجرة، الذي كان يضيق عليه وتصد في وجهه أبواب الجامعات والمعاهد وهو من هو!!!.

ما أسهل أن تكون بوقا، وأن تسحب وتجر كما تجر الخراف، فيكون لك شأن وشأو عظيم في الثقافة والفن وحتى في الرياضة.

رجعت إلى رشدي، وكنت فرحا بكلمات جعلتها وشاحا وتقلدتها وساما (آ المناضل.. آ المناضل….) خرجت من المعرض قبل بدايته، خرجت وكان قصدي أن أزور صديقي وابن بلدتي، صاحب دار القرويين للنشر والتوزيع، وأرحب به في هذه المدينة العريقة، زرته وأنا أسأله عن كتاب “تدريسية مادة التربية الإسلامية من التخطيط إلى التقويم” للكاتب سيدي أحمد العبودي، صاحب المجموعتين القصصيتين، (ومضات ونبضات)، وكلي أمل أن يلقى هذا الكتاب رواجا في هذا المعرض، لأن صاحبه أيضا من المغضوب عليهم في سوق الكتاب والأدباء في مدينتي الفاضلة.

هذا الكتاب الذي لقي قبولا في ربوع المملكة، وأحسب أنه من الكتب النافعة والماتعة التي لاقت رواجا منقطع النظير، وكنت بفضل الله شاهدا على نفاذ المئات من النسخ، وبشهادة صديقي صاحب دار القرويين للنشر والتوزيع.

كتاب احتفل به أهل طنجة وتطوان، ومكناسة الزيتون، وأݣادير ومكناس وفاس وبني ملال وسيدي قاسم…

كتاب كتب الله له الانتشار والذيوع كما كتب الله لصاحبه القبول.

قلت في خيالي مخاطبا صاحبي السيد المفتش التربوي: لا عليك يا سيدي لو طالك التهميش ونلت حظك من المنع والتضييق، في مدينتك ومسقط رأسك، ربما يجعل الله لك فرجا في ملأ هو خير من هذا الملأ، وفي معرض وطني ودولي، وأحسب سيدي أنك تعرف تلك الحكمة الجميلة من حكم ابن عطاء الله السكندري: “ربما منعك فأعطاك، وربما أعطاك فمنعك”.

لا عليك يا صاحبي، فالثقافة في وطني محفظة ومسجلة باسم الغالب، والحزب الحاكم “مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ” (غافر 29).

كم كنت أرجو أن أفرش لك السجاد الأحمر، وأحتفي بك في مدينة قضيت فيها زهرة عمرك، معلما ومربيا، خطيبا وواعظا، ومصلحا اجتماعيا، ولكن (ما باليد حيلة) كما يقال.

أشعر بك وأنت تدخل العرض الجهوي على استحياء، وأرى الجموع يحيونك، ويقبلون عليك يسألونك عن التدريسية، وعن أختيها توأم الروح (الومضات والنبضات)، فأهل هذه المدينة كرام يحبونك، لك مكانة خاصة في سويداء قلوبهم.

عيني عليك وأنت تمشي الهوينا، تقصد صاحبنا مدير دار القرويين للنشر والتوزيع، يستقبلك ويحتضنك كعادته، وبابتسامته المعهودة، يفرح بك، يبشرك أنك كتاب التدريسية فاق التوقعات ربما حطم الرقم القياسي من حيث المبيعات في ظرف وجيز لم يتجاوز الستة أشهر فاق العدد الألف، أسمعه وكان قد أخبرني أن مثل هذا الكتاب وصاحب هذا الكتاب هو من حمله على المشاركة في هذا المعرض، زاد فرحي وهو يبشرني أنه أحضر من التدريسية مائة نسخة، أليس هذا يكفيك يا سيدي؟

أخبرني السيد المستشار للعارضين المغاربة، أنه سيجعل لك تقديما في قلب وزارة الثقافة، وسيجعل لك يوما مشهودا في المعرض الدولي للكتاب هذا العام، وصدق الله العظيم إذ يقول “ولسوف يعطيك ربك فترضى” (سورة الضحى).

واعلم رحمك الله أني لن آلو جهدا للاحتفاء بكتبك ومؤلفاتك، فكما احتفلنا بالومضات والتدريسية، سنحتفل بالنبضات، وفقك الله تعالى لكل خير وجعلك ممن يحتفى بهم في السماء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: “إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه. فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض”. (رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم: 3209).

وختاما يكون هذا المعرض رافعة مهمة للنهوض بالفعل الثقافي بالمدينة وترسيخا لثقافة رد الاعتبار للكتاب والأدباء والشعراء وأهل الفن.

فالشكر كل الشكر لأصحاب هذه المبادرة الجميلة.

#معرض #الكتاب #بالقصر #الكبير

زر الذهاب إلى الأعلى