كاتبان فرنسيان يبحثان عن علاج لـ”الداء الجزائري” وتناقضات قصر المرادية

صدر للكاتبين الفرنسيين جون لويس لوفي وبول توليلا كتاب جديد تحت عنوان “الداء الجزائري”، يسلطان فيه الضوء على طبيعة النظام السياسي في الجزائر ويستعرضان “مفارقات الخطاب السياسي” للنخبة الحاكمة في البلاد.

يستمد هذا العمل قوته وحجيته في أن “مؤلفيه لا يكتبان من فراغ”؛ بل انطلاقا من التجارب التي عايشاها طيلة مدة الخمس سنوات التي عملا فيها في إطار مهمات رسمية بالجزائر، والتقيا خلالها بعدد من المسؤولين الحكوميين والسياسيين والمواطنين الجزائريين، قبل أن يتوصلا إلى استنتاج مفاده أن “الداء الجزائري أصبح مستعصيا على العلاج”.

بعد أكثر من ستة عقود على استقلالها، يتساءل الكاتبان باستغراب: ما الذي حققته الجزائر ويمكن أن تتباهى به؟ لا شيء تقريبا، سوى “التباهي في كل مرة بانتصارها على فرنسا في ذكرى احتفالات عيد الاستقلال”، يجيب الكتاب ذاته، مضيفا أن “الجزائريين تفطنوا إلى تماهي النظام في استغلال التاريخ وخطاب حرب التحرير لتقوية شرعيته، وعبروا عن سخطهم في الشوارع”، قبل أن “يُسكت الوباء والقمع السياسي أصواتهم”.

“النظام الجزائري سعى، منذ فجر الاستقلال، إلى احتكار الرواية التاريخية للدولة؛ من خلال استيلاء المؤسسة العسكرية على عدد من المحفوظات التاريخية ووثائق الأرشيف، إلى جانب تضييق الخناق على المؤرخين، ليصبح معه ماضي البلاد وتاريخها حبيس الرواية الرسمية”.

وفي هذا الصدد، أشار الكتاب ذاته إلى أن “الجزائر وفرنسا اتفقتا على إعادة كتابة التاريخ والذاكرة المشتركة بينهما، وأسندت هذه المهمة إلى كل من المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا، إلى جانب مستشار الرئيس الجزائري المكلف بالأرشيف الوطني عبد المجيد شيخي”؛ غير أن “محاولة الطرف الجزائري التغاضي عن بعض النقاط التي أثارتها باريس” أَفشلت مهمة اللجنة المشتركة التي شُكلت لمعالجة هذا الملف.

ويشبه جون لويس لوفي وبول توليلا النظام الجزائري بالاتحاد السوفياتي سابقا، بالنظر إلى أن “كليهما بنى شرعيته على مفاهيم الثورة والحرب، حتى أن النخبة التي استولت على السلطة في الجزائر اجتهدت وأوجدت نظاما أرستقراطيا يرتبط في غالبه بحرب التحرير والثورة الوطنية ضد باريس”.

“التكوين النموذجي للسلطة الجزائرية ولد من رحم انقلاب سنة 1962، وبرزت معه المكانة الحقيقية للعسكر الذي يتخفى وراء ستار الرئاسة المدنية، وهو النهج الذي عززه دستور الدولة”، الذي قال عنه الكتاب إنه “أرستقراطي لا يؤسس لأي ثقل ديمقراطي مواز”.

وحول الحراك الشعبي لسنة 2019، أورد الكتاب أن “خروج الشعب الجزائري إلى الشارع آنذاك مكن فعلا من إسقاط شخص الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وعشيرته من السلطة”؛ غير أنه “لم يستطع اقتلاع العسكر، الذي ما زال يسيطر على كل مفاصل الدولة في البلاد”.

في الصدد ذاته، اعتبرت صفحات الكتاب أن “القيادة العسكرية، التي كان القايد صالح على رأسها، حاولت احتواء الحراك الشعبي المدني من خلال اللجوء إلى مخططات استفزازية؛ من بينها محاولة بث التفرقة بين المتظاهرين بين أمازيغ وعرب، فضلا عن الترويج لفكرة المؤامرة الخارجية”، في إشارة واضحة إلى المغرب.

وعلى النهج ذاته سار الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، “الابن البار للعسكر”، الذي أقر “يوم 22 من فبراير من كل سنة يوما وطنيا للأخوة بين الشعب الجزائري والجيش”؛ وهو ما اعتبره المؤلفان “تناقضا صريحا”، واعترافا واضحا “بإجرام العسكر في حق الشعب”.

ولم يفت الكتاب أن يسلط الضوء على الفساد المستشري في الجزائر، إذ اعتبر أن “البلاد طبّعت مع الفساد وصارت القوى الحية والمعارضة في المجتمع الجزائري، غير قادرة على مواجهته وصارت مجبرة لقبوله”.

ويورد الكاتبان أن “التماهي مع النظام الجزائري وقبول غطرسته وقمعه بات السبيل الوحيد للجزائريين للبقاء على قيد الحياة”؛ وهو ما تؤكده الاعتقالات التعسفية الأخيرة التي طالت الأصوات المطالبة بالديمقراطية في البلاد.

الداء، الذي يقصده هذا الكتاب، لم يصب الشعب الجزائري المغلوب على أمره والتواق للانعتاق من آلام نظامه لوحده؛ بل أصاب معه الجوار القريب للجزائر وعلى رأسه المغرب، الذي يبدو أنه طور في السنوات الأخيرة “لقاحا دبلوماسيا” لوقف انتشاره وإبطال وتيرة انتقاله.

#كاتبان #فرنسيان #يبحثان #عن #علاج #لـالداء #الجزائري #وتناقضات #قصر #المرادية

زر الذهاب إلى الأعلى