قضية وآراء

دخلت جريمة ما بات يعرف بالشرطي “المغدور”، أسبوعها الثاني دون أن يصدر أي بلاغ رسمي، من شأنه تنوير الرأي العام الوطني في إطار الحق في المعلومة، لا من جانب القضاء ولا من جانب المديرية العامة للأمن الوطني، وإذا كان هذا “الصمت” يمكن تفهمه من الناحية الأمنية والقضائية، لدواعي مرتبطة بضمان سرية الأبحاث والتحريات التي لازالت متواصلة على أكثر من مستوى، من قبل الأجهزة الأمنية المختصة، في محاولة لفك خيوط وشفرات هذا الفعل الجرمي الوحشي غير المسبوق، ووضع اليد على كل الفاعلين المتورطين فيه بدرجات ومستويات مختلفة، فإنه (الصمت) بالمقابل، ترك مجموعة من الفراغات، أحدثت حالة من الغموض واللبس والإبهام، ازدادت تعقيدا، في ظل ما يتم تداوله بشكل يومي حول القضية – إعلاميا وافتراضيا – من أخبار ومعطيات باتت تتناسل كالفطريات في غياب الحقيقة التي تقطع الشك باليقين؛

والنتيجة المقلقة، تسارع الأخبار وتكاثر الروايات بخصوص الأسباب والمسببات وهويات الأشخاص الضالعين في هذه المجزرة الرهيبة، في مشهد دراماتيكي، بات فيه كل من يختفي وراء شاشات الحواسب والهواتف الذكية وعدسات الكاميرا، ضابطا للشرطة القضائية، بارعا في البحث عن الأدلة الجنائية والرقمية، ماهرا في البحث والتحري، شاطرا في السرد والتحليل والنقد، ومحترفا في توزيع صكوك الإدانة والاتهام، لتضيع الحقيقة، التي لاتوجد إلا لدى النيابة العامة المختصة، والضابطة القضائية المعنية بشكل مباشر بالنبش في حفريات قضية ليس كمثيلاتها؛

الروايات الشائعة والأكثر تداولا على مستوى الإعلام، ومختلف القنوات المفتوحة على اليوتيوب، تربط ما حدث من جريمة همجية، بالجنس والشرف والانتقام، وأخرى تربطها بتصفية الحسابات في إطار شبكات الاتجار في المخدرات، وثالثة تضعها في خانة الفساد والتطبيع الخفي والمعلن مع “كهنة معبد المخدرات” إذا ما جاز التوصيف…، وفي هذا الإطار، ومن باب المسؤولية والالتزام، ودون الانسياق وراء ما يتم تداوله إعلاميا أو افتراضيا، من الصعب تبني تصور من التصورات المذكورة، ومن المجازفة، اعتماد رأي من الآراء المطروحة، في غياب “المعلومة القضائية” أو “الشرطية”، ونرى حسب تقديرنا، أن أي نشر للمعلومات، بشأن القضية، في غياب أي بلاغ رسمي، لن يكون إلا تشويشا على الأبحاث والتحريات الجارية، وربما عرقلة لها، وإسهاما في تكريس الاحساس بانعدام الأمن في أوساط المواطنات والمواطنين؛

وحتى نضع النقط على الحروف، نتساءل كباحثين ومهتمين بالشأن الأمني: ما مصدر الأخبار المتداولة على مستوى الصحافة ومجموعة من قنوات اليوتيوب؟ الجواب على هذا السؤال الشائك، يقتضي تبني افتراضين اثنين لا ثالث لهما: إما أن جهات ما، قامت وتقوم بفعل تسريب بعض المعطيات ذات الصلة بنتائج الأبحاث والتحريات الجارية، كما حدث في تسريب مقطع الفيديو الذي وثق للحوار الذي جرى بين “الشرطي الراحل”(قبل أن تطاله أيادي الغدر ) وأحد مستعملي الطريق، وهذه التسريبات -إن حصلت فعلا-، فهي إفشاء للسر المهني ومساس بمبدأ سرية الأبحاث والتحريات، وإما أن الأخبار الرائجة والمتداولة تدخل في خانة الأخبار الكاذبة، وفي هذه الحالة، من المفروض أن تخرج الجهات المختصة، ببلاغ صحفي، يضع الرأي العام في صلب حقيقة ما وقع، حرصا على ضبط عقارب النظام العام، وكبح جماح مروجي الأخبار الكاذبة، الذين لابد أن تطالهم سلطة القانون والعقاب؛

ما هو ثابت، أن ما يتم تداوله وترويجه إعلاميا وافتراضيا، من أخبار ومعطيات بخصوص القضية، يشوش على الأبحاث والتحريات وبدون شك، يعرقل مسارات واتجاهات التحقيقات الجارية، ويمنح “الجناة الفارين” أكثر من فرصة للمناورة وربما للبحث عن أماكن آمنة أو للفرار إلى وجهات بعيدة، ويمس بالإحساس الفردي والجماعي بانعدام الأمن، في ظل زحمة الأخبار الرائجة، التي تتقاطع في ربط الفاجعة، ببصمة “البارونات” و”الشبكات المتخصصة في الاتجار في المخدرات” و”التصفية والانتقام” و”شبهة الجنس والفساد” وغيرها؛

بين غياب للرواية الرسمية، وحضور قوي للرواية الافتراضية التي تنتشر كما تنتشر النار في الهشيم عبر مختلف منصات ووسائط التواصل الاجتماعي، هناك حقيقة ثابتة لايمكن البتة الاختلاف بشأنها، أن الجريمة التي راح ضحيتها شرطي الرحمة، جاءت حاملة لبصمات الوحشية والهمجية والبشاعة، والقساوة بكل مشاهدها وصورها، ويمكن قراءة هذه الجريمة عبر الزوايا التالية:

الضحية: الجريمة استهدفت رجل أمن، بكل ما يحمله من رمزية ومن وضع اعتباري داخل المجتمع، وتصفيته بتلك الطريقة البشعة، كانت مساسا جسيما بجهاز لايقوم أمن ولا استقرار ولا نظام عام، إلا به وعلى يديه؛

الفاعلون: ما رافق الجريمة القاسية من عمليات، يعكس دقة في التفكير والتخطيط والتنفيذ، وهذا معناه أن الأمر يتعلق، بعصابة إجرامية ضالعة ومتمرسة في المجال الإجرامي، معتادة على السجن وخبيرة بطقوسه وثقافته، وإذا ما ثبت أن ما حدث له صلة بشبكات الاتجار في المخدرات، فهذه الشبكات كما هو معلوم، تخضع إلى تنظيم صارم، وعلاقات تراتبية دقيقة ومتشعبة، وإلى أعضاء يتقاسمون المغامرة والمجازفة والقوة والبطش والعنف والانتقام والتصفية، بعضهم يفكر ويخطط، وبعضهم ينفذ، مما يصعب مهمة فرق الأبحاث والتحريات، في الوصول إلى أفراد الشبكة وخاصة “الزعيم” أو “البارون”، خاصة في ظل ما يتحكم في هذا النوع من الشبكات، من طقوس الولاء والطاعة والإخلاص للزعماء، ومن ممارسات السرية والكتمان؛

طريقة/أسلوب التصفية: الجريمة لم تكن بالفجائية، فهي نتاج تخطيط دقيق وعمليات قبلية، راعت خصوصيات مسرح الجريمة/مكان اشتغال الشرطي، ونوبة العمل وساعة الانتهاء منه، واستحضرت طريقة الاستدراج والتصفية، ولم يكن القتل هو الغاية، بل “الانتقام الأعمى”، الذي جمع بين الطعن وقطع الأطراف وبتر العضو الحساس والحرق بدم بارد، وبدون شك، هذا “الجنون الانتقامي” أو على الأقل بعض فصوله المرعبة، مورس على الضحية وهو على قيد الحياة، قبل الإقدام على حرقة والتخلص من جثته بإحدى قنوات الصرف الصحي، وعقبها أقدموا على حرق سيارته في محاولة لإخفاء الأدلة المادية للجريمة النكراء؛ في سلوك “مافيوزري”، مثير للقلق؛

نفسية الفاعلين: أن الإقدام العمدي على طعن إنسان وتقطيع أطرافه وبثر عضوه الحساس – ربما وهو لازال على قيد الحياة – وذبحه وحرقه والتخلص من جثته بداخل قناة للصرف الصحي، معناه أن نفسية هؤلاء القتلة مشبعة بمشاعر الحقد والكراهية والبأس والانتقام الأعمى، بعد أن وصلوا إلى درجات متقدمة في سلم الانحراف والجريمة، وفقدوا الإحساس والضمير الإنساني، وافتقدوا القيم الدينية والأخلاقية، التي من شأنها كبح جماح انحرافهم وإجرامهم، ووصولهم إلى استهداف شرطي وتصفيته بطريقة بشعة، يدعو إلى القلق ويفرض دق ناقوس الخطر، قبل أن يستشري الوباء الإجرامي في المجتمع، بشكل قدر يصبح معه العلاج عسيرا ومستعصيا؛

مسرح الجريمة: لايمكن أن يقترف جريمة بهذه البشاعة، إلا من هو على علم بالمجال ودراية واسعة بتضاريس المنطقة وشعابها وطرقها ومسالكها، ومداخلها ومخارجها، وهذا المجال الترابي، وتحديدا المتواجد بين “الرحمة” و”مديونة” و”حد سوالم” والمناطق المجاورة، بات حسب شهادات كثير ة مرتعا خصبا، لتجار ومروجي الممنوعات بكل أشكالها وأصنافها، ووجهة مفضلة للمروجين الصغار والمستهلكين، وبؤرة للانحراف والجريمة والفساد، ولعل التطبيع مع هؤلاء، أو التهاون في التصدي لهم، قوى من شوكتهم، وجعلهم أكثر قوة وأكثر جرأة وعنف وقساوة، إلى حد أن الجرأة وصلت بهم، حد استهداف الشرطة، وهذا الوضع المقلق، يقتضي التصحيح العاجل؛

الإفلاس القيمي والأخلاقي: الجريمة البشعة، ما هي إلا مرآة عاكسة لما بتنا نعيشه من مشاهد الانحراف والجنوح، في ظل ارتباك منظومة القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية، نتيجة امتداد أخطبوط العبث والتفاهة والسخافة والفساد، وتراجع خطير في منسوب المواطنة والالتزام والانضباط، ومحدودية أدوار مؤسسات التنشئة الاجتماعية وعلى رأسها الأسرة والمدرسة وجمعيات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، ودور الشباب والثقافة والرياضة والإعلام، فضلا عن توسع دائرة الفوارق الاجتماعية والتفاوتات المجالية وغيرها، وعدم نجاعة منظومة الردع والقانون والعقاب والتهذيب، وهذه الأسباب من ضمن أخرى، تدفع في اتجاه المزيد من الانحراف والجنوح…

الشرطة: التجرؤ على رجل شرطة بزيه الرسمي وتصفيته بطريقة بلغ فيها الانتقام مداه، هو تجرؤ على مؤسسة شرطية، لا نسمح ولن نسمح بالمساس بحرمتها أو بحياة موظفيها، لأنها رمز لهيبة الدولة وقوتها، وضمانة للأمن والاستقرار والطمأنينة والسكينة، ومهما كانت ظروف وملابسات الواقعة، فلايمكن إلا التعبير عن مشاعر الإدانة بما حصل للشرطي رحمه الله، من جريمة قاسية وقاسية جدا، يصعب تخيلها حتى بالنسبة للحيوان، والتنديد بأي استهداف يطال هذه المؤسسة الوطنية وموظفيها، حرصا على النظام العام، وحماية لما نعيش فيه من أمن واستقرار وطمأنينة وسكينة؛

قضاء الشارع: في غياب المعلومة الصحيحة التي لازالت متعذرة، من الصعب توجيه البوصلة نحو الأسباب الحقيقية التي دفعت الجناة إلى استهداف الشرطي المعني بذاته، وجعلتهم يتفنون في تعذيبه قبل الإقدام على حرقه والتخلص من جثته داخل قناة للصرف الصحي، ولكن في ذات الآن، نقر أنه ومهما كانت الأسباب الدافعة نحو الانتقام والتصفية، من غير المقبول إطلاقا لا دينا ولا قانونا ولا أخلاقا ولا إنسانية، أن يتصرف جناة خارج سلطة القانون، ويقتصوا بأنفسهم من شخص حسب مزاجهم وأهوائهم بمعزل عن المؤسسات، وإلا سنسقط في حالة الطبيعة حيث “الكل ضد الكل” في وضعية يكون فيها “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان” حسب تصور الفيلسوف الإنجليزي طوماس هوبس، لذلك، لا مناص من التصدي الحازم، لأية ممارسة “غابوية”، تروم دفع المجتمع نحو “حالة الطبيعة” وما يرتبط بها من توحش وعنف وصراع، بعيدا عن سلطة القانون والمؤسسات؛

الأمن والاستقرار: ما حدث يعمق بؤرة الإحساس بانعدام الأمن في أوساط شرائح واسعة من المواطنات والمواطنين، ويعطي الانطباع للبعض، أن الحالة الأمنية ليست على أحسن ما يرام، في ظل امتداد الجريمة بكل تمظهراتها، إلى حد أن الشرطة نفسها، لم تعد بمنأى عن الفعل الإجرامي، بكل ما لهذا الوضع، من آثار على النظام العام، ومن تداعيات محتملة على السياحة ومناخ الاستثمار…

القانون والعقاب: الجريمة البشعة أعادت بقوة الجدل القائم حول عقوبة الإعدام، التي طالما رافع دعاة الحقوق والحريات الفردية من أجل إلغائها، لكن ما حدث من مجزرة رهيبة، يقوي موقف الجبهة الداعية إلى الإبقاء على هذه العقوبة قائمة، لأن بعض الجرائم الوحشية، تبقى أكبر من إعدام لم يتحرك حبله أو رصاصه منذ سنوات، وفي هذا الإطار، لماذا لم تخرج الجمعيات الحقوقية إلى الشوارع، تضامنا مع الشرطي الراحل وأسرته، وتنديدا بما طاله من جريمة نكراء؟ لكنها لا تتردد في الخروج، لما يتعلق الأمر بالدفاع عن إلغاء عقوبة الإعدام، أو الترافع عن الحريات الفردية؟ ونتساءل في هذا الإطار: أي مكان لحقوق الإنسان والحريات، ونحن وجها لوجه أمام جريمة، لايمكن إن يقترفها إلا الوحوش؟ مع ضرورة التذكير، أن ما حدث، يقتضي تنزيل قواعد ومقتضيات جنائية صارمة، قادرة على الردع وإيقاف النزيف الإجرامي؛

وفي جميع الحالات، ومهما كنا بارعين في استعراض الزوايا، لمقاربة هذه القضية الشائكة، وفي انتظار إصدار بلاغ رسمي في الموضوع يقطع الشك باليقين، نرى أن المديرية العامة للأمن الوطني على غرار قيادة الدرك الملكي، تبقى أمام تحديين اثنين: أولهما: الحصول على المزيد من الأدلة المادية والآثار الرقمية، بما يساعد على وضع اليد على كافة الأطراف المتداخلة في القضية “تفكيرا” و”تخطيطا” و”تنفيذا”، بما في ذلك الوصول إلى السلاح الوظيفي الخاص بالضحية، وثانيها: القيام بتشخيص حقيقي ومسؤول ومتبصر لما حصل من جريمة “جهنمية”، بشكل يسمح بتجاوز الاختلالات المحتملة، وسد ما تكون قد أبانت عنه، التحقيقات الجارية، من فراغات وثغرات على مستوى واقع الممارسة المهنية، من أجل تجويد الأداء المهني، والتصدي الناجع والحازم للجريمة والخارجين عن سلطة القانون، بما يضمن الحفاظ على الأمن، كرأسمال لامادي، دافع نحو تقوية اللحمة الوطنية وتعزيز الجبهة الداخلية، وتحقيق ما تحتاجه الرهانات التنموية، والتحديات المرتبطة بالوحدة الترابية للمملكة، من استقرار وطمأنينة وسكينة؛

في هذا الصدد، لسنا في منزلة تسمح لنا بتقديم الدروس والعبر، ولا في موقع توزيع صكوك النصح والمشورة، ولكن، من باب المواطنة وحب الانتماء للوطن، ومن مدخل الاعتزاز بالمؤسسات الأمنية الوطنية من جيش وشرطة ودرك ملكي وجمارك وقوات مساعدة، وتثمين أدوارها ومجهوداتها في حماية وحدة الأرض وسلامة التراب وصون النظام العام، نعطي لأنفسنا الحق، في “التنبيه” و”التوجيه”، باعتبار الأمن “مسؤولية فردية وجماعية”، وفي هذا المستوى من النقاش، وبما أن الكثير من الأخبار الرائجة والمتداولة إعلاميا وافتراضيا، تربط ما جرى من جريمة همجية، بشبكات الاتجار في المخدرات – في انتظار ما سيؤكده البلاغ الرسمي-، فمن غير المقبول لا مهنيا ولا قانونيا ولا أخلاقيا، أن يتم ترك هذه الشبكات الإجرامية، تعيث في البلاد والعباد فساد وإجراما، إلى درجة أن مناطق وأحياء كثيرة على المستوى الوطني عموما، والمجال الترابي – مسرح الجريمة – خصوصا (الدروة، مديونة، حد سوالم، النواصر ومناطق أخرى)، باتت اليوم – حسب الكثير من الشهادات -، مرتعا خصبا لتجار المخدرات، مستغلين تهاون أو تقاعس أو تردد أو لامبالاة …، من يفترض فيهم محاربة الجريمة وإنفاذ القانون؛

وإذا لم نكن مبالغين، فنسبة كبيرة من جرائم الاختطاف والاغتصاب وهتك العرض والفساد والخيانة الزوجية والتصفية وقتل الأصول، تكون تحت تأثير آفة المخدرات بكل مستوياتها وأنواعها، دون إغفال ما لهذه الآفة الخطيرة من تأثير على حاضر ومستقبل الناشئة، وعلى المسار الدراسي لشرائح واسعة من التلاميذ والطلبة، ممن وقعوا بين مخالب الاستهلاك والإدمان وربما الاتجار، وما لها – الآفة- من آثار على تجانس وتماسك الجبهة الداخلية، وعلى نسف الرأسمال الأمني اللامادي، الذي يعد مفتاح الاستقرار ، ورافعة لامحيد عنها للبناء والنماء والرخاء والازدهار؛

الأبحاث والتحريات الجارية على قدم وساق، لفك خيوط القضية، وازتها وتوازيها حملات أمنية مكثفة من قبل الشرطة والدرك، تستهدف تجار ومروجي المخدرات، الذين يشكلون موضوع مذكرات بحث وطنية أو محلية، وبقدر ما نثمن هذا المجهود، بقدر ما نرى أن الأمر، يقتضي استعجال تنزيل استراتيجية أمنية مستدامة مشتركة بين “الأمن الوطني” و”الدرك الملكي”، تروم استئصال الشبكات المتخصصة في الاتجار في المخدرات، والتصدي الحازم لكل من يهدد النظام العام، ويعمق بؤرة الإحساس بانعدام الأمن في أوساط المواطنات والمواطنين، وهذه الاستراتيجية، باتت “ملحة” أكثر من أي وقت مضى، لأن التجرؤ على الشرطة بالاختطاف والطعن وقطع الأعضاء والأطراف والحرق، معناه، أن الشبكات المتخصصة في الاتجار في المخدرات، وصلت من القوة والجرأة والخطورة، ما يجعلها مهددة للأمن والاستقرار ومزعجة لأجهزة الأمن، كما حدث ويحدث في دول عبر العالم من قبيل إيطاليا وكولومبيا وغيرهما، ولايمكن إلا أن نكون محذرين، لأي تعامل “مناسباتي” مع الظاهرة، في إطار “الحملات الموسمية”، لأن الجريمة بشكل عام، آخذة في التمدد والانتشار، ولابد من مواجهتها، بما يلزم من الحزم والصرامة والنجاعة، وفق مقاربات “استباقية ” لا مجال فيها، لممارسات “التردد” أو “التهاون” أو “العشوائية” أو “التطبيع”…؛

وبما أن الرأسمال البشري يبقى عماد أية استراتيجية أمنية، فمن اللازم تقوية صفوف الأمن الوطني والدرك الملكي وباقي الأجهزة الأمنية الأخرى، بالموارد البشرية اللازمة، مع تفعيل آليات “إعادة الانتشار” انسجاما ومتغيرات “خريطة الجريمة”، وتدعيم المصالح والفرق المعنية مباشرة بمحاربة الجريمة، بالحصيص الكافي، وإرساء منظومة للحماية والدعم والتحفيز، بما يساعد على بلوغ مرمى المردودية المرجوة، والرهان على التكوين الأساس والمستمر والتخصصي، بقصد الإسهام في تطوير الكفاءات والقدرات المهنية، وصون أخلاقيات المهنة، وبلورة منهجية صارمة وحازمة، في انتقاء المنتسبين الجدد، تراعي الجوانب المعرفية والأخلاقية والسلوكية والنفسية، مع الحرص كل الحرص على توفير كل شروط ومتطلبات العمل، من وسائل وترقي وتحفيز ومكافأة واحترام وتقدير واعتبار، والمضي قدما في اتجاه التصدي الحازم، لكل الممارسات والسلوكات الماسة بشرف المهنة وأخلاقياتها، وبما يؤطرها من قوانين وضوابط، مرتبطة بالمسؤولية والانضباط والالتزام والشفافية وكثمان السر المهني والاستقامة والبعد عن الشبهات ما ظهر منها وما بطن؛

بقيت الإشارة، أن الجريمة البشعة، تفرض توجيه البوصلة، نحو عدد من عناصر المـرور الذين تسند لهم مهمة مراقبة السير والجولان في بعض المدارات الطرقية المتواجدة عند هوامش أو مداخل المدن، حيث يزاولون مهامهم بمفردهم وفي نقط “ضعيفة الإنارة” و”محاطة بمناطق خلاء”، مما يجعلهم وجها لوجه أمام المخاطر والتهديدات المحتملة خاصة في نوبات العمل المسائية، ونرى أن أماكن من هذا القبيل، تقتضي وجود شرطيين اثنين، من باب الدعم والحماية والمؤازرة، في حالة وجود أي خطر حال، كما تقتضي مدها بالإضاءة الكافية، وتزويدها بكاميرات خاصة بالمراقبة، يمكن الرجوع إليها عند الاقتضاء؛

ونختم بالقول، أن القضية تتجاوز واقعة تنحية شرطي مرور بطريقة “مافيوزية”، هي قضية دولة، لابد أن تنتبه إلى التطور الكمي والنوعي للجريمة، وتقدر تداعيات ذلك على الأمن والاستقرار.. قضية حكومة، لابد أن توفر للمؤسسة الأمنية، ما تحتاجه من وسائل وإمكانات مادية ولوجستية وموارد بشرية، وأن تسهم في صياغة سياسات عمومية أمنية ناجعة وفعالة .. قضية برلمان، لابد أن يتحمل مسؤولياته كاملة في التشريع الجنائي .. قضية قضاء، مطالب بالمزيد من الحزم والصرامة في التعامل مع مقترفي جرائم العنف والاغتصاب والقتل وتجار المخدرات .. قضية مؤسسة أمنية، لابد لها، أن تواجه مد الجريمة بما يلزم من الصرامة والنجاعة، وأن تتصدى بحزم، لما قد يصدر عن موظفيها، من اختلالات وانزلاقات .. قضية مجتمع باتت تنخره التفاهة والسخافة والفساد .. قضية وطن، لابد أن نتجند أفرادا وجماعات، من أجل حمايته وصون لحمته وتقوية جبهته .. قضية مواطنين “سلبيين”، لابد أن يكونوا شركاء في الأمن .. قضية إعلام، ينشر ثقافة العبث والانحطاط .. وقبل هذا وذاك، هي قضية أسرة الأمن الوطني التي فقدت عنصرا من عناصرها .. قضية والدة وزوجة .. قضية أبناء صغار، فقدوا الأب والمعيل، بطريقة غاية في الهمجية والتوحش، وهؤلاء يحتاجون إلى الحماية والدعم النفسي والاجتماعي .. نجدد الرحمة على الفقيد، ونسأل الله أن يشمل أهله وذويه، وأسرة الأمن الوطني قاطبة، الصبر والسلوان ، وإنا لله وإنا إليه راجعون …

#قضية #وآراء

زر الذهاب إلى الأعلى