قراءة في مشروع قانون العقوبات البديلة

لا شك في أن السياسة الجنائية بالمغرب قد صارت أكثر من أي وقت مضى في حاجة ماسة إلى عملية تحديث شاملة تجعلها قادرة على التكيف مع مستجدات حياتنا المعاصرة، والانسجام مع القوانين والاتفاقيات الدولية التي وقع عليها المغرب في مجال حقوق الإنسان ومكافحة الجريمة بشكل يراعي آدمية وظروف المواطنين ومحاولة إصلاح الخارجين عن القانون منهم بطرق حديثة تراعي ظروفهم الاجتماعية وظروف ذويهم، وفي الوقت نفسه تساهم في تخفيف نسبة الاكتظاظ التي صارت تشهدها المؤسسات السجنية بالمغرب، وما يرافق هذا الاكتظاظ من ارتفاع لنسبة الإنفاق وتكاليف الرعاية، وأيضا من ضعف في تحقيق المبتغى والمراد من البرامج التي تقدمها هذه المؤسسات السجنية.

ويمكن القول بأن مشروع القانون رقم 22-43 المتعلق بنظام العقوبات البديلة يدخل في سياق هذه الرغبة في التحديث والتجديد لمنظومة العدالة المغربية، على الرغم من أنه وبكل صراحة وتأكيد قد جاء متأخرا للغاية، بحيث إنه من الحياء والمثير للإحساس بالدونية والضعف أن نرى أننا قد تخلفنا عن باقي دول العالم في هذا الجانب بعقود من الزمن، ويكفي أن نلقي نظرة بسيطة على أقرب جيراننا من الدول العربية التي عملت بهذه العقوبات البديلة منذ ما يزيد عن عقد من الزمن.

وعلى العموم، فإننا سنركز في قراءتنا لمشروع القانون هذا على جانبين وهما الأهم”: قراءة في مضامين فصول ومواد مشروع هذا القانون، وقراءة في آليات تنفيذ هذه العقوبات البديلة.

أولاـ مضامين فصول ومواد مشروع قانون العقوبات البديلة

إن أول ما يثير انتباه رجالات القانون والباحثين المتخصصين في مجالات القانون هو التقزيم إن صح اللفظ والتعبير لعدد الجنح التي يخول لأصحابها ومرتكبيها الاستفادة من هذا الامتياز القانوني، واقتصارها على عدد محدود جدا في الوقت الذي تم فيه إقصاء واستبعاد عدد كبير من الجنح التي لا نرى أنها تستحق الاستبعاد والإقصاء، ومنها على سبيل المثال: الاختلاس، والغدر، وخيانة الأمانة، الرشوة، تبديد الأموال العامة. فهذه الجنح بالنسبة للمختصين وعلماء الاجتماع هي الأولى والأحق من غيرها بالإدراج ضمن الجنح التي يتوجب أن يتمتع أصحابها بإمكانية الخضوع للعقوبات البديلة، وخاصة في مجال العمل لأجل المنفعة العامة، نظرا لتوفر شرط وركن قانوني مهم جدا وهو التناسب. فمرتكب جنحة الاختلاس كان أولى من غيره مثلا بتخييره بين العقوبة السالبة للحرية وبين العمل لأجل المنفعة العامة، بحيث يتم تكليفه بالعمل لإدارة عمومية ما شبيهة بتلك الإدارة التي اختلس أموالها، أو مؤسسة خاصة شبيهة بتلك التي كان يعمل بها في حال تعلق الأمر باختلاس أموال مؤسسة خاصة.

وينطبق الأمر نفسه على باقي الجنح التي أشرنا إليها في كلامنا أعلاه، خاصة أنه لو قمنا بدراسة وجرد لعدد الجنح التي يوجد أصحابها بالمؤسسات السجنية المغربية وتتسبب في حالة الاكتظاظ التي تعاني منها تلك المؤسسات، فإننا سنجد بأن هذه الجنح التي تم إقصاؤها واستبعادها من مشروع القانون هذا هي تشكل أكثر من 50 في المائة من الجنح التي يوجد مرتكبوها في السجون.

وانطلاقا من هذا التحليل فإننا المشرع المغربي سيكون قد حاد عن الهدف والغاية التي سطرها هذا المشرع من نظام العقوبات البديلة.

ومن جهة أخرى، يمكن القول إن من سهروا على صياغة بنود هذا المشروع قد أغفلوا نقطة بالغة الأهمية، وكانت ستشكل إضافة نوعية وفريدة من نوعها على الأقل في أوطاننا العربية، وهي أن يتم الإشارة إلى إلزامية الحكم بوجوب الخضوع للعقوبات البديلة عندما يتعلق الأمر بالجانحين الأحداث الذين لم يبلغوا السن الجنائي، مع الاقتصار على العقوبات المتمثلة في: إلزام الحَدَث بتتبع تأهيل مهني أو دراسي معين، وإلزام الحَدَث بالخضوع لتأهيل علاجي في حال اقتران ارتكابه للجنحة أو الجريمة بصفة عامة بمعاناته من مرض ما كان له علاقة سببية بارتكاب تلك الجريمة.

ونشير في هذه النقطة إلى ضرورة تمتيع جميع المعتقلين الأحداث على خلفية جريمة ما من الجرائم بالحق في الخضوع للعقوبات البديلة حتى عندما يتعلق الأمر بجرائم جنائية وليس الجنح فحسب.

ثانيا ـ آليات تنفيذ العقوبات البديلة

عند الاطلاع على مشروع القانون رقم 22-43 المتعلق بالعقوبات البديلة، وخاصة في الشق المتعلق بآليات التنفيذ، فإن أول شيء سيشد انتباهنا كباحثين ومتخصصين في مجال السياسة الجنائية، وخاصة إذا أشرنا إلى أننا راكمنا مساحة لا بأس بها من التجارب في الشق التنفيذي للعقوبات والأحكام القضائية، هو تكليف المؤسسات السجنية بمهمة مراقبة تنفيذ تلك العقوبات والتدابير البديلة.

كيف ذلك؟

لا شك في أننا جميعا نرى ونتابع بشكل شبه يومي ما تعانيه تلك المؤسسات من إكراهات كبيرة جدا ومتعددة، من قلة العنصر البشري ومحدوديته، وهو الأمر الذي ما فتئت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج تصرح به في مختلف المحافل الوطنية من برلمان وبلاغات إعلامية وغيرها، وبالتالي فإنه سيكون من باب الوهم والبالغة أن يتم التعويل على تلك المؤسسات في السهر على تتبع تنفيذ العقوبات البديلة، خاصة أنه ومن دون شك سيتم تطبيق هذه البدائل على نطاق واسع من السادة القضاة، ومجرد إطلالة بسيطة على مدينة كبيرة كالدار البيضاء، التي توجد فيها ثلاث مؤسسات سجنية فقط، وبطاقم بشري محدود للغاية، ستجعلنا نقف على استحالة قدرة تلك المؤسسات على تتبع مئات المحكومين بالعقوبات البديلة على مساحة شاسعة جدا.

وكان الأجدر بمن سهروا على صياغة هذا المشروع تكليف العمالات في شخص القياد وأعوان السلطة المحلية بهذه المهمة؛ أولا لأن هذه السلطات تكون أقرب من غيرها من الجانحين موضوع العقوبات البديلة، وثانيا لأن الجانحين الخاضعين لتلك التدابير يقطنون أو يقيمون بأحياء وأماكن متفرقة؛ وبالتالي ستسهل على كل قيادة ترابية تتبع العدد القليل الذي قد يكون ضمن نفوذها الترابي.

هذا، طبعا، علاوة على أن يتم تأهيل رجال السلطة وأعوانها وإخضاعهم لدورات تكوينية في هذا المجال، ونكون بذلك قد جنبنا المؤسسات السجنية القيام بمهام هي فوق طاقتها وإمكانياتها، كما سنكون قد جعلنا نظام المراقبة والتتبع أكثر نجاعة بتكليفنا لأعوان السلطات المحلية بتلك المهمة.

باحث في العلوم السجنية والقانونية

#قراءة #في #مشروع #قانون #العقوبات #البديلة

زر الذهاب إلى الأعلى