سر الطائر على الكتف أو الإنسان الباطن

أستطيع أن أزعم، بعد الانتهاء من قراءة هذا المتن الروائي (*)، أن الأمر يتعلق برحلة (عرفانية) يقطعها الشيخ أحمد (الإنسان)، بإلهام من زوجه (أروى) (الإنسانة)، وبتدبير من خادمه (عيسى) (العبد/الحر)، رحلة بدت دالة وضرورية، روائيا على الأقل، لكل إنسان إنسان، يريد أن يكون لوجوده معنى، هو الجدير به، تقول الرواية على لسان (أروى): “وندرك اليوم بعد ما تهاطل علينا من الأفضال أننا كنا فيما يشبه المغارة، مغارة وهم، يحب فيها الواحد نفسه في صورة الآخر…” (ص: 203).

إن هناك شيئا آخر، يحدد صورة هذا الكائن البشري، ويفسر حقيقته ويجلي وجوده، هذا (الشيء) أو (السر) بلغة الرواية (ص:39،40) يتحقق بطريقين، إما بالمجاهدة كما طلب من (الشيخ أحمد)، وإما بالفضل كما تحقق مع زوجه (أروى)، ثم مع ولدهما (نور)، حقيقة لا تغرب عن (عيسى): “إدراك الروح يكون بالفضل مع المجاهدة، وقد يكون بالفضل دون المجاهدة في بعض الأحيان” (ص:181)، ليبقى الأهم في النهاية هو هذا البحث الحثيث والعاشق عن (شيء) هو أنفس بكثير من كل لذات العيش، حتى وهي تتمظهر في أرقى تجلياتها، كشأن العلاقة بين (الشيخ أحمد) وزوجه (أروى)، وفي سبيل التحقق بهذه الغاية، التي بدت أكثر من عزيزة، أو بهذا “التجلي من تجليات الله على بعض العباد في الأرض” (ص:64)، يكون على (الشيخ أحمد) أن ينطلق عبر رحلة طويلة في البحث عن تفسير اللغز، لغز الطائر على الكتف، العنوان الذي حملته هذه الرواية، والعبارة السر والمفتاح التي ظلت تتردد بين ثناياها وتجاويفها، “ستستظلين برجل كالشجرة يحط عليها الطائر”، تقول (أروى) نقلا عن الشيخ (سرهندي) (ص: 32)، ونفس الحدث ستؤكده (وئام) في نهاية الرواية، “فقد سمعت من شيخها بالبصرة أن أروى بشرها أحد الحكماء بقوله: إنك في حياتك ستستظلين بشجرة أمان تحط عليها الطير” (ص:282).

ظاهريا، الأمر يتعلق بطائر جميل اللون، يحط بين الحين والآخر على كتف العبد (عيسى) (ص: 34)، الشخصية التي ستتكلف روائيا بمساعدة (الشيخ أحمد) على البحث عن فك هذا اللغز (ص:36،39)، على أن ما يهم من أمر هذا الطائر في النهاية، بالنسبة لأحمد، هو ما يكتنفه، ويدل عليه من أحوال ومعاني، “والذي أطلبه في الحقيقة إنما أتوسم أن يكون وراءه من الأحوال والمعاني التي شوقتني إليها أروى…” (ص:42)، والتي ستتولى أروى نفسها تفسيرها “بما سيكتب لزوجها من أحوال صفاء الروح” (ص:45)، يكون على (الشيخ أحمد) أن يتحقق بها، عبر طريق المجاهدة، ومن خلال ما تسميه الرواية بنزع الأردية، وهي بالعد ستة أردية، رأى أحمد في رؤيا أنه يخلعها، واحدا بعد الآخر (ص:50، 51)، وتقره (أروى) على ذلك، مؤكدة أن الأمر يتعلق بشروط عيسى التي يمليها عليه للتحقق بالمطلوب (52،53)، شروط يتلقاها (عيسى) عبر أسياده الذين لا يراهم (ص:55)، لأنهم ببساطة ليسوا كائنات بشرية، بل إرادات وتشوفات وإشارات (ص:60، 61)، ثم يشرع أحمد في خلع الأردية، بأمر من (عيسى).

الرداء الأول: تحرير العبيد: وجد الشيخ أحمد نفسه مدعوا لتحرير كل عبيده، بما للعبيد من دور في تدبير أمور الواحة، (ص:80، 81،82)، وحين هم بتحرير خادمه (عيسى) أولا، فاجأه بكونه ليس عبدا لأحد، لأنه ليس عبدا لنفسه ابتداء، ووعده بتفسير هذا الأمر لاحقا، (ص:84)، وتعتبر مسألة العبودية ومعانيها من المضامين أو “التيمات” التي توقفت عندها الرواية طويلا، واهتمت بمناقشتها إبداعيا، ربما لارتباطها بالفترة التاريخية التي نسجت فيها هذه الحكاية، حيث كانت تجارة العبيد عملة رائجة يصعب تصور الحياة بدونها، لذلك كانت الدعوة إلى إلغائها بمثابة إعلان حرب على الأعيان والنخاسين، والدخول في مواجهات مع مكائدهم وتهديداتهم، (ص: 87، 88)، مثال ذلك طرد إماء العبيد المحررين وأطفالهم (ص:99)، ليبقى المهم في النهاية هو تمكن (الشيخ أحمد) من تخليص المبادلات التجارية بين المغرب وبلاد السودان من تجارة العبيد، وعيسى يثني عليه، ويقره على حسن فهمه وسعيه قائلا: “بارك الله لك في الفهم والسعي، فقد انفتحت بصيرتك للواردات الربانية” (ص:93)، ثم ينصحه بالثبات بقوله ومعناه: “فداوم على تحرير الغير تحرير تشريع، وداوم على تحرير نفسك تحرير تحقيق… فقل في السالكين من قبلك من جاء من هذه الطريق” (ص:95)، ثم دعاه إلى التأمل في معاناة هؤلاء العبيد “وجب عليك أن تستحضر آلام من عاشوا في دارك من العبيد والإماء وأبنائهم، ثم آلام من عانوا المحن في مشيختك، في واحتك وفي كثير من الأصقاع” (ص:97).

الرداء الثاني: بعد الانتصار على مكائد الأعيان في مسألة العبيد، يجد (أحمد) نفسه أمام امتحان آخر، يتعلق بحياته الشخصية، فقد دعاه عيسى إلى طلب الزواج من امرأة أخرى، أخت خولة بنت دحمان (ص:105)، أحد أعيان الواحة الذين لا يخفون كراهيتهم للشيخ (ص:101)، واعتبر الزواج من ابنته من “جملة الابتلاءات لتخليصه من التعلقات” (ص:106).

الرداء الثالث: يتعلق الأمر بمطالبة الشيخ أحمد بنبذ التملك عبر الإستزادة من العطاء، فالمال ليس ماله يقول عيسى، وإنما هو مستخلف فيه، (ص:108)، لقد تذكر أحمد ما قاله شيخ والده: “اذهب لخدمة الأحرار”، وهو يفهم ذلك الآن، وبلغة الرواية فـ”الأحرار من وفقوا إلى لبس حلة التجرد من دعوى التملك إذ نسبوا الملك إلى مولاه” (ص:109)، وقد أدرك أحمد “بالذوق أن العطاء هو شرط التقوى… وأن الزكاة هي مدار حقيقة السلوك برمته” (ص:118).

الرداء الرابع: تحكي الرواية أن (عيسى) أخبر (الشيخ أحمد) بصوت (السابقة) أنه “سائر إلى الخلو من الأغيار، ليكون الكرسي مخصوصا لصاحبه، كرسي قلبه لمن يجب له، لربك الكريم” (ص:120)، ليفهم أحمد أن عليه مفارقة (أروى) لوقت معين، وأنه سيعود إليها حين يستحقها، وبهذا يكون (أحمد) قد أفرغ الثلث الثاني، بعد الثلث الأول الذي هو المال (ص:121)، وستتمكن (أروى) من مغالبة حدث طلاقها من أحمد، لقوة باطنها، وتأييدها من طرف (السابقة) بكرامة، هي عبارة عن نحلة تأتيها بالسكينة، (ص:121،122)، “إذا أردت أن تعرف الحقيقة، فالحقيقة هي أنك لا تحب زوجتك، وإنما أنت تحب نفسك”، بهذا واجه عيسى (الشيخ أحمد)، متوقفا عند حقيقة علاقته بأروى بين المحبة والوهم (ص:127،128)، يقول عيسى: “لو كانت المحبة بين الناس خالصة ولا سيما بين الأزواج، لما انتظر محب من محبوبته شيئا…” (ص:129).

الرداء الخامس: يتعلق بغرور المشيخة، أو بهذا “التواضع في الظاهر، يخفي كبرا مستحكما في الباطن” (ص:141)، يقول عيسى مطالبا (أحمد) بمجالسة حرس الحصن، ومشاركتهم في عيشهم، (ص:142)، ما جعله ينتقل إلى حال مختلف، ثم إلى الدخول في (حضرة) يشدو فيها ويرقص مع الحراس (:143)، وكل هذا بالنسبة إلى عيسى لا يتجاوز مستوى الظاهر، ولا بد على الشيخ أحمد أن يتحمل المزيد من التنقيص، لا سيما من طرف من يكرهونه (ص:145)، فطالبه بالنزول إلى الأسواق وتسول الناس، ففعل وجحظت عيناه، وبدأ يتكلم كلام المجاذيب (ص:146)، ثم طالبه بالتهجد (ص:148)، وعدم الزهو بالنوافل، فهذا “للعمال الذين ينتظرون الأجور، والتجار الذين يهمهم المقابل… أما أنت فالذي تجده يناسب القرب الذي أنت طالبه، ولا أجر مع العبودية كما تعلم” يقول عيسى مخاطبا أحمد (ص:149)، ثم يأمره بعدها بالنزول إلى السوق وسقي الناس الماء، حتى يحقرونه ولا يعطونه (ص:151،152)، كل هذا لأن النفس لها مرآة، يقول عيسى لأحمد، وهذه المرآة تتأثر بأنواع (التعلقات)، وكلما تحرر العبد من هذه التعلقات صفت المرآة، وظهرت “عليها أمور لا يحكمها الزمان والمكان، ومن هذا القبيل ما يرد على ذوي النفوس الزكية من مثل الرؤى، والمشاهدات، والكشوف، والواردات، وأنواع الإلهام… وقد أخذ أحمد يتلقى شيئا من ثمرات الصقل على مرآة نفسه” (ص:153)، ويحذره عيسى من إخبار الناس بذلك، لأنه ليس من أمور العامة (ص:154)، وأن هذه الإلهامات تصدق ما لم تتعلق بها حظوظ النفس، التي هي أدق من دبيب النمل (ص:155).

الرداء السادس: يتعلق بشيء آخر، هو شرط كمال، يقول عيسى (ص:156)، وقد يكون آخر شوط في هذا المسار، فقد تجاوز (أحمد) حجب “المال والزواج والرئاسة والآخرة”، ولم يبق له إلا مشاهدة الخلق في الخالق (ص158)، ومثال ذلك محادثته للكلاب بـ (يا أسيادي)، (ص:159)، يقول إمام مسجد إن الشيخ أحمد أصبح “يرى في كل مخلوق أثر الخالق” (ص:161)، وتوقع عيسى بعدها أن ينتقل (أحمد) إلى ما يسميه أهل السلوك بحال “الأحدية” (بفتح الحاء وكسر الدال) (ص162)، وهي أعلى نقطة في الدائرة التي يمر منها السالكون، ليعودوا بعدها وقد صفت نفوسهم وتخلصت من حجب المال، والبنين، والجنس، والرئاسة، ووصلت إلى أعلى نقطة في الدائرة، “فلم تر إلا الله” (ص:163)، يقول عيسى مهنئا أحمد على تخلصه من الأردية “فقد قطعت شوط التخلص من الأردية بالعمل، والشوط الذي بعده لا يقطعه السالك إلا بحسب ما سبق له في القضاء، وما وفق إليه من العمل” (ص:164). لقد علم أحمد الآن أن “مدار الخذلان في الأمر كله هو النفس، فهي الكلمة المفتاح والمساحة التي ما فتئ يجتاز عتبات التقوى إزاءها” (ص:169)، قال عيسى لأحمد: “الذي تحرر باطنه كحالك اليوم، يمكن أن يملك الدنيا كلها ويحفظ حريته، تلك غاية التقوى” (ص:175)، ثم يذكره بالفرق بين حاله الأول وحاله الآن بعد مجيء (أروى) جارية من العراق، لتصبح له زوجة، وتطلب له سموا، يقودها حدسها إليه، ويتملكها شعور تسميه “الخوف عليك من الملل” (ص:180)، إحدى العبارات التي تتردد كثيرا في هذا النص الروائي، “كنت أخاف عليه من الملل”، وتتحمل (أروى) مهمة تفسيرها وحمل (أحمد) على التحقق بمقتضاها، تقول لأحمد: “كنت أقول لك وأكرر القول: إني أخاف عليك من الملل، وكنت أحس بشدة استغرابك لأنني لم أكن أجرؤ على التوضيح.. وقد أراد الله أن ندخل بحر معرفته في روحانيته، ونعود إلى أرض عبوديته، لنتحاب فيه محبة في الله وفي شرعه، لا نخاف ولا تهددنا السآمة والملل” (ص:203)، وهذا هو السر الذي حمله (عيسى) وبحث عنه (الشيخ أحمد) حتى وجده، “عندما أدرك أنه عبد، من حيث يتوهم بأنه مالك للعبيد” (ص:280)، يقول أحمد مخاطبا (أروى) في نهاية هذه الرحلة: “أنت الأصل في هذا الفضل والطائر على كتف عيسى لم يكن سوى إشارة واستئناس” (ص:192)، وتقول (أروى) في نهاية الرواية بما يشبه الختم: “بلغت مقصدي من كل ما جرى ولم تبق لي مهمة” (ص:283)، وبعد وفاتها، والانتهاء من مراسم التأبين، ظهر أمر عجيب، تقول الرواية، رأى الحاضرون “طائرا في حجم الحمام، إلا أنه جميل الألوان، رأوه يطير ويقترب من الولد، (نور ابن الشيخ أحمد)، يحلق فوق رأسه غير هياب، ثم يحط على كتفه، وتذكر بعض الخدم طائر عيسى وتعجبوا… بينما كان الناس يكبرون ويهللون، ويقبلون يد الولد ويطلبون بركته، وقد غشيهم الاطمئنان إلى أن قابل حياة الواحة بهذه المشيخة في أمان…” (ص:287)، وهكذا تختتم الرواية كما بدأت، هذا الطائر على كتف نور، مقابل ذلك الطائر على كتف عيسى.

اللغة: تحتفل الرواية بلغة عرفانية باذخة، تبدو متساوقة والمضامين أو “التيمات” التي تحكيها، حيث يلاحظ التركيز على التشوفات “الروحية”، والهيامات “الإشراقية”، إذا صحت العبارة، أثناء عملية الوصف، وبناء الشخصيات. مثال ذلك، وصف جمال أروى (ص:17)، ومستوى تأديبها (ص:25)، وبنفس المعنى وصف جمال (وئام) بعد ذلك (ص:257)، أو أثناء اختيار الكلمات والعبارات التي تنسجم والفضاء الذي تتجه الرواية إلى كتابته، والاشتغال عليه، وهذا سرد لمجمل تلك العبارات والمصطلحات، التي تم الاعتماد عليها في عملية بنينة هذا النص الروائي، مضمونا وشكلا، دالا ومدلولا:

_ “الطائر على الكتف” (ص: 56، 192…)

_ “الحال”: “فعزمت على أن تفاتحه بحال كانت تراودها” (ص:33)، “فجاءتك أحوال مكملة دون زلل” (ص:180).

_ “الشيء”: “ستعلم أننا طلبنا عنده شيئا لا نملكه… قالت أروى: لذلك جاز لنا أن نبحث عن هذا الشيء الآخر” (ص:48).

_ “الرؤيا”: عبارة يتردد ذكرها في الرواية، بأكثر من معنى، تقول أروى “لقد تسرب إلى داخلك، وأراك في الليل ما رأيت، وهذا أمر محتمل يقدر عليه بعض المدركين” (ص:52)، “وفي ليل ذلك اليوم وقف على أحمد في النوم شخص بهي الطلعة فشرح له أن المقصود هو تحريره من عبودية المال وحبه الجم” (ص:117) “قال أحمد: رأيت أمرا مرعبا.. رأيت أنني في الآخرة” (ص 157)، “شاهدت أن لي ذاتا من نور كنت بها أفر طائرا من بقايا ليل مظلم يطاردني” (ص: 176).

_ “التلقي من الأسياد”: في إشارة إلى عيسى الذي يتلقى كلاما من أسياد لا يراهم، كما يقول (ص:55).

_ “الأسياد الغيبيون” و”جذوة الاقتباس” في نعت لـ (أروى)، “سيدتي تحظى عند أسيادي الغيبيين بتعظيم كبير، ويسمونها بجذوة الاقتباس” (ص:57).

_ “الهذيان”، “… ليشارف الهذيان الذي لا تحصى ألفاظه، والذي يأبى أن يصرح بكل دواعيه…” (ص:65).

_ “الكشف”، “كوشف عيسى بأمرهم وأبلغ الشيخ بالمؤامرة” (ص:102)، “ولكن عيسى كوشف بحال أحمد…” (ص:106)، وترد عبارة “الكشف” أيضا في الصفحات (135، 173، 179، 239،245).

_ “الذوق”: “تدبر أحمد أمره فأدرك بالذوق أن العطاء كما قيل له هو شرط التقوى” (ص:118).

_ “الإلهام”: “… فجاءه إلهام بأمور من حقيقة البشرية” (ص:118،119).

_ “السابقة”: “قال عيسى بصوت السابقة…” (ص: 120)، “وحصل لها التأييد من السابقة” (ص:121)، “لقد فهمت أنها السابقة” (ص123)، “تحدث عيسى إلى أحمد بلسان السابقة” (ص:145).

_ “كرسي قلبه”: “ليكون الكرسي مخصوصا لصاحبه، كرسي قلبه لمن يجب له، لربه الكريم” (ص:120).

_ “الكرامة”، “وبكرامة عجيبة لم يفتها فهمها…” (ص:122).

_ “الظاهر والباطن” (ص: 124)، “من يا ترى سيتولى إرشاده في الظاهر والباطن” (ص:137).

_ “الفهوم والأذواق” (ص:130)

_ “الحضرة”، “هنيئا بعرس الحضرة” (ص: 143) “… لذلك يسمون أوقات الوجد بالحضرة” (ص:181).

_ “الوجد والتحير والإنشاد” (ص:175)

_ “الأحدية” (ص:162).

_ “الفتح” (ص:245)

_ “الحدس”، “ولكن حدسها كان يخبرها بأنه موجود” (ص:180).

_ “الجمع”، “ينكرون الجمع لأنهم لا يرونه في أفقهم، نجاتهم في التمسك بظاهر حكمة الشرع” (ص:190).

_ “الفرق بعد الجمع” (ص:187،189).

– “وحدة الوجود”، “كانت عباراته ادعاء يصدر عما يسميه الخائضون في هذا الفن (وحدة الوجود)، أو بغلبة حال الأحدية، وهو حال لا تجوز ترجمته بالمقال، وإلا سقط الناطق في المهالك” (ص:188).

مضامين وتيمات: نستطيع أن نفهم أن السارد يبث بين ثنايا هذا النص الروائي مجموعة من الرسائل والمواقف والآراء المرتبطة بجملة من القضايا التي يعرض لها، يبرز منها ما يلي:

مسألة العبودية: معانيها، بعض أسبابها الفكرية والتربوية والتاريخية، والحرية بما هي النقيض الموضوعي لهذه العبودية، الحرية بمعناه الذي يعني التحرر من الآخر، وكذا التحرر من الذات، وتبدو الرواية منشغلة بهذا المعنى الثاني للحرية “قال عيسى مخاطبا أحمد: أنا لست عبدك، لأنني لست عبد نفسي… بيت القصيد هو أن يكون لك فهم غير فهمك الآن…” (ص:84)، قال عيسى لأحمد: “فداوم على تحرير الغير تحرير تشريع، وداوم على تحرير نفسك تحرير تحقيق…” (ص:95). هل يكون التصوف أو التطهير الروحي طريقا إلى إنجاح الحكم، يبدو أن الرواية يهمها أن تمدنا ببعض هذه المعاني، يقول عيسى: “إشكال الإنسان أنه يتقمص حال المالك الباطل، مع وجود المالك الحق… وقد قضى ربك أن يتملك الناس ويعملوا، ولكنهم في باب رد الملك والفعل إلى صاحبه يتملكهم الاستبداد… وحول هذا الأداء تتشكل بؤرة هواهم الذي يتخذه البعض منهم إلها…” (ص:168).

مسألة العلاقة بين المرأة والرجل، ومسألة الحب: يبث السارد بين ثنايا هذا النص مجموعة من الرسائل والتفسيرات المرتبطة بكينونة المرأة والرجل، والصورة التي تتخذها العلاقة بينهما، والمعنى الذي يمكن أن تؤول إليه، بعد التحقق بمجموعة من الأشياء والأحوال، أو ما تسميه الرواية بالتأدب “كان تأديبها جامعا بين رقة النفس وخفة الروح ودقة الحواس…” (ص: 26)، تحدثه (أروى) عن مقامات الحب، كما تعلمتها من شيخها (سر هندي)، “الحب مقامات، مقامه الأسمى لا يدركه إلا من هو من الأحرار… التحرر من النفس” (ص:31)، أخبرته (أروى) أنها تحبه (وقدر هذا الحب لا يدرك إلا عندما يصير لك إحساس جديد… وسر ذلك ينبغي أن يطلب عند العبد عيسى…” (ص:38)، قال عيسى لأحمد بعد فصله عن أروى: “… وإذا فتح الله فسيظهر لك أنك لا تستحق هذه الزوجة، وستعود إليك عندما تستحقها…” (ص: 121). وتمثل علاقة (أحمد) بـ(أروى)، ثم علاقة ابنهما (نور) بـ(وئام)، نموذجا في هذا الاتجاه.

على سبيل الختم: عبر تاريخنا الفكري والثقافي عموما، تتعدد الإجابات المرتبطة بأسئلة الذات والرؤية إلى الإنسان في علاقته بالمعنى، أو بالحقيقة، ويبدو أن هذا النص الروائي يكتب وينتصر لإحدى تلك الإجابات، وباللغة التي تقتضيها.

“واحة تينونا أو سر الطائر على الكتف”-أحمد التوفيق-الطبعة 1-2022م -مطبعة النجاح الجديدة-الدار البيضاء.

#سر #الطائر #على #الكتف #أو #الإنسان #الباطن

زر الذهاب إلى الأعلى