باحث في القضايا الأمنية يرصد تطورات منظومة القوات الملكية الجوية بالمغرب

خلصت ورقة بحثية نشرها المعهد المغربي لتحليل السياسات إلى أن “تطور القوات الجوية الملكية المغربية ينبع من أسباب اقتصادية بشكل عام، وأسباب استراتيجية بشكل خاص، تتسم بالدفاعية وتهدف إلى الحفاظ على الاستقرار والتوازن العسكري في المنطقة”.

وحاولت الورقة، المنشورة في خانة أبحاث السياسة الخارجية تحت عنوان “تطور القوات الجوية العسكرية المغربية”، “شرح الأسس المنطقية لتعزيز القوات الجوية المغربية وتقييم مدى استفادة البلاد منها وسيادتها على المجال الجوي الإقليمي”، حسب تعبير مؤلفها.

واستندت الوثيقة المفصلة، التي أنجزها فرانشيسكو ماتشي، الباحث في قضايا الأمن والدراسات الإستراتيجية في جامعة غلاسكو وجامعة ترينتو وجامعة تشارلز في براغ، إلى أرقام حول بلوغ “الإنفاق العسكري للمغرب خلال سنتيْ 2020 و2021 نسبة من الناتج المحلي الإجمالي لم يُشهَد مثلها منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني”، مفيدا بأن “الأشهر الأخيرة من سنة 2020 عرفت إعلان جبهة البوليساريو انتهاء وقف إطلاق النار من طرفها، وعرفت -أيضا- تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل اللذين عَقدَا منذئذ اجتماعات عديدة ووقعا شراكات في مجالات الدفاع والأمن”.

وأكد الباحث في “مجموعة عمل الأمن والدفاع”، التابعة لمُجمع الفكر الأوروبي للطلاب، أن “المغرب يستفيد من هذا التقارب على المستوى الاستراتيجي في منطقة الصحراء”، لافتا إلى أن “عدم القدرة على التنبؤ بالتهديدات والظروف المناخية القاسية على مدى مئات الكيلومترات في الصحراء تجعل من الطائرات بدون طيار الوسيلة الأكثر فعالية للاستخبار والمراقبة والاستطلاع”.

“في الواقع، يعمل المغرب على توسيع أسطوله من الطائرات بدون طيار لخدمة أهدافه الاستخبارية وللمراقبة والاستطلاع وأهداف قتالية محتملة مع تطوير قدراته الخاصة لإنتاج أنظمة مماثلة”، سجل ماتشي، الذي أشار إلى “خضوع المقاتلات النفاثة المغربية، أيضا، للتحديث والتوسيع من أجل توفير رادع باعتباره هدفا أساسيا يمكن فهمه من خلال النظر إلى ما وراء حدود المغرب”.

تحديات إقليمية

رصد مؤلف الورقة تصاعد تحديات “السياق الإقليمي المحيط” بالمملكة المغربية، قائلا إنه “يتسم بعدد من الأزمات الخارجية؛ من بينها النزاع على منطقة الصحراء، والحرب الأهلية في ليبيا التي تفاقمت أيضا بسبب تجدد الاشتباكات المسلحة”، مستحضرا “عدم الاستقرار الأمني والعسكري في مالي مع تصاعد التهديدات الإرهابية وتغير الأطراف الخارجية”.

من جهة ثانية، سجل فرانشيسكو ماتشي، ضمن تحليله، أن “الإنفاق العسكري لدول الجوار يدفع المغرب إلى مواصلة تطوير قواته المسلحة”، موردا -على سبيل المثال- أن “الإنفاق العسكري الجزائري لم ينخفض كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 5.5 في المائة منذ سنة 2014؛ بل أصبح الإنفاق العسكري للجزائر في سنة 2015 الأعلى في شمال إفريقيا، حيث بلغ 6.7 في المائة خلال سنة 2020 مقارنة بـ4.3 في المائة في المغرب، وسط تصاعد التوترات في بعض الأحيان بين الجارين اعتبارا من شتنبر 2022، حين قررت الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية من جانب واحد”.

مرافق متخصصة

توقفت الورقة عند “هدف المغرب الحصولَ على استقلال جزئي لإنتاج وصيانة قواته المسلحة الجوية من خلال إنشاء وتوسيع المرافق المتخصصة، حيث سيتم بناء منشآت جديدة في سيدي سليمان وبنجرير، وهما القاعدتان الجويتان الخامسة والسادسة في البلاد، لتخزين طائرات إف-16 التي قد يتلقاها المغرب”، مستحضرة ما تم شهر أبريل 2022 من “توقيع شراكة إستراتيجية بين المغرب وشركات لوكهيد مارتن وسابينا إيروسبيس وسابكا”، المتخصصة في إنتاج أجزاء الطائرات العسكرية وصيانتها وإصلاحها وتحديثها، وكلاهما جزء من مجموعة “بلوبيري”، حيث يتم حاليا بناء منشأة بمساحة 15 ألف متر مربع في مطار بنسليمان بالقرب من الدار البيضاء. وتمتلك “سابكا”، منذ سنة 2012، فرعا في المغرب، ساعد بالفعل –حسب المصدر ذاته– في صيانة طائرات “داسو فالكون” النفاثة المغربية كما تقوم بتوسيع مرافقها حول مطار الدار البيضاء.

وزادت الورقة: “سابكا هي من بين مواقع إنتاج أخرى مثل “سفران” للإلكترونيات والدفاع، التي بدأت في يونيو 2022 بتوسيع موقعها. وترجع مشاركة لوكهيد مارتن في الشراكة إلى أن المنشأة تتخصص في صيانة وإصلاح وترميم وتحديث طائرات سي-130 هيركوليز وإف-16 فايتينغ فالكون بشكل أساسي، وهُما من إنتاج العملاق الأمريكي لوكهيد مارتن وتشغلهما القوات الجوية المغربية”.

وخلص الباحث إلى أن “امتلاك مثل هذه المنشآت محليا سيُفيد المغرب في تخفيض التكاليف والوقت المستغرق في صيانة وإصلاح وترميم أسطوله من الطائرات بشكل كبير دون الحاجة إلى الاعتماد على المساعدة الأجنبية؛ فعلى سبيل المثال، بمجرد حصول المغرب على تحديث بنية إف-16 ڤي، يُرجح أن يتم تركيبها في منشأة بنسليمان”.

التوازنات العسكرية

كان لافتا أن يستنتج الباحث أن “المغرب يستثمر موارد كبيرة لحماية نفسه والحفاظ على أمن مجاله الجوي ومنع حدوث سيناريو القصور العسكري الذي من شأنه أن يهدد البلاد”، معددا قوى “المغرب كأحد أهم العناصر العسكرية الجوية في شمال إفريقيا؛ لكن عمليات الاستحواذ الأخيرة التي قام بها ستقويه بحيث سيكون من الصعب على دول المنطقة أن تضاهيه على المديين القصير والمتوسط، إذا افترضنا أن التوازن التاريخي والحالي للتحالفات لن يتغير- وهو أمر غير وارد”.

وعلى الرغم من عمليات الاستحواذ الأخيرة، فإن المملكة تشغل أسطولا أقل عددا من أسطول الجزائر، على سبيل المثال، حيث إن سلاح الجو المغربي يخضع لعملية تحديث وليس توسيع.

وتبعا لذلك، أكد أن “التفوق على القوة الجوية للدولة الجارة، إلى جانب التحالفات القوية للمغرب، من المرجح أن يُثنيها عن نشاطها العسكري ضد المملكة”.

عمليات استحواذ

استند الباحث إلى أرقام “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام”، الذي أفاد بأن “الولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة للمغرب بإجمالي 76 في المائة من إجمالي وارداته من الأسلحة في الفترة بين 2017 و2021”.

وفقا للمعهد، فإن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي حصل المغرب منها على الأسلحة كل سنة منذ 2009. “ولا يبدو أن التعاون بين البلدين والتحديث المستمر للجيش المغربي سيتوقف في المستقبل القريب، على الرغم من رصده “الانخفاض الملحوظ في واردات الأسلحة سنة 2019 (بإجمالي 48 مليون دولار أمريكي) و2020 (12 مليون دولار)”.

ومن حيث النفقات وكمية الأنظمة، سجلت الورقة أن “الولايات المتحدة هي مصدر غالبية عمليات الاستحواذ المغربية، سواء المُعلقة أو السابق؛ وهو ما يدل على الحرص في التنويع”. كما أن “خارطة الطريق للتعاون في مجال الدفاع 2020-2030 هي أساس الشراكة الحالية بين الرباط وواشنطن في المجال الأمني”.

ختم المصدر بالقول: “إدراكا من المغرب للتهديدات المتنوعة التي تشكلها بعض الجهات، يعمل على زيادة القدرة الرادعة لقواته المسلحة، خاصة القوات الجوية؛ في الوقت الذي تصبح فيه الدبلوماسية غير مجدية”، منبها إلى أن “الإنفاق العسكري المتزايد سيستهلك موارد قطاعات حيوية”.

كما أكد أن “زيادة الاستثمارات ستكون في القطاعات الأضعف مشروطة بالبيئة الجيوسياسية للمغرب أيضا؛ فإذا لم تقابَل جهود المملكة لبناء علاقات سلمية مع جيرانها ودول أخرى بالمثل، فقد يكون انخفاض معدل التحديث العسكري غير كافٍ، وقد تكون العسكرة المتزايدة إجراء منطقيا”، وفق خلاصات الباحث.

وخلص الباحث إلى أن “القطاع العسكري سيستمر في الازدهار، وسيظل المغرب يطمح إلى تعزيز جوانب الصيانة والإصلاح والتجديد وإنتاج الطائرات العسكرية، خاصة الطائرات بدون طيار من أجل جذب الزبناء الأجانب أكثر وتقليل اعتماده على الواردات”.

#باحث #في #القضايا #الأمنية #يرصد #تطورات #منظومة #القوات #الملكية #الجوية #بالمغرب

زر الذهاب إلى الأعلى