المشخص والطبيعة…

المشخص والطبيعة...

عاطف أحمدالأحد 16 أبريل 2023 – 10:42

ما بين التطبع والانطباعية والطبيعية!

على الممثل أن يكون جزءا من طبيعة ما يحصل للناس، أن يكون مرآة لكل ما يقع لنا أو لغيرنا، فيجب أن يكون مبهما وغامضا كالبرق بالنسبة للشخصيات المعقدة، هائجا وراكدا كالنهر في فيضانه عند الانتفاضة، بل غارقا وعميقا في نفسه كالبحر، لذلك لا بد من الجاذبية الطبيعية، أي التماهي مع طبيعة الوجود عبر شخوص ترابية ونارية ومائية وهوائية ذات طابع روحي وحسي يحتوي كل المشاعر الإنسانية وصفاتها، أي في اختلالات وتوازنات كنه الجوارح واختلاف تردداتها، المادية واللامادية، عبر التأثير الفطري، أي العفوي الطبيعي عبر الحضور والوجود والقابلية للافتراض والتقبل والتماثل والاستعراض والإظهار عبر حلول التجانس والاستقراء والاستنباط، التي تتفوق فيها الكاريزما أو ما يسمى بالقبول الذي يصدقه الناس أو يحبونه.

كما لا يلغي ما سبق إغفال القدرة الفائقة في تقمص الشخصيات لا على عواهنها، بل على تنوعها وتناقضها، أي التوفر على قابلية المرونة الجسدية (البلاستيكا) والانسيابية والحيوية الحركية كما عرفها ستانسلافسكي، كما أن القدرة التناسق مع صفات المكان والتماهي معه كنسق وافتراضه عبر التخيل أو المحاكاة، يضيف زخما أكثر قوة لمفهوم تأسيس منظور الشخصية ومنظور الدَور، ويجعلهما أقرب للحقيقة، بل يجعلها حقيقة قابلة للتصديق أكثر، لكي يتمكن الممثل من أن يتأقلم مع الدور بشكل أكثر رزانة وواقعية، فالتشخيص يتطلب الأداء المناسب والأكثر قربا للواقع المتخيل عبر النص المكتوب، كذلك عبر لغة المجتمع، وثقافته المعتنقة، لكي يتقبله المشاهد بصور بريئة، عفوية، شفافة في وضوحها، حتى يقتنع ويقع في حلول مكامن الشخصية كأنها هو، أي فرض إمكانية التفاعل، حيث يتفاعل معها بمشاعره من خلال تشرب أحاسيسها، وما يقع لها من أحداث، عبر التعاطف كمثال، فالإقناع هو الهدف الأسمى للمشخص أو الممثل، هنا يكمن إبداع الدور في تجسيده، وما محاكاة وبناء الشخصية عبر حبكة السيناريو، أو من خلال بناء أحداثه، عبر الصور الأدبية أو الاجتماعية أو التاريخية إلا حلقات تختلف، لكنها تتألف في هدف منشود واحد، هو إظهار قوة النص والعمل الفني من خلال حضور الممثل ونجاحه في الأداء، ونقل النظري والمتخيل للواقع كواقع يتقبل تصديقه، فذلك هو التشخيص.

لكن أساس التطلع لطبيعية الأداء لا الانطباعية الشعورية أو التطبع المكرر أو النمطي للشخصيات، يجب أن يبرز من خلال خلق علاقات مختلفة ما بين العلوم الإنسانية، من خلال تحالف علم النفس وعلم الاجتماع مع الأدب والفنون، بل والحدس وعلم الكلام والحكمة، ونورانية النفس وإدراكها الواعي وحتى اللاشعوري واللاوعي للقصة المفترضة، كما تنتقل أحداثها في الطبيعة، فالطاقات أو التفاعلات الفيزيائية والكيميائية في ظواهر الطبيعة الخلابة أو المفزعة أو الرهيبة، من كسوف القمر إلى كهرباء، ونار والماء، عبر العلاقات الجدلية، مثل تفاعل القمر مع البحر عبر المد والجزر، هي علاقات جدلية، لا تختلف عن دياليكتيك الإبداع التشخيصي، لأنه ما هو إلا تفاعل الإيجابي مع كل مكونات الممكنة فنيا وإنسانيا، عبر تقنية تشخيص المكتوب، حيث يجعل الشخصية حقيقية لدرجة يصبح فيها التشخيص هو الواقع لا غيره، بل حقيقة واقعية أغرب من التخيل والخيال، لأنه كان من صعب تصوره، بل كان ممكنا فقط وصفه والتطلع له، أو الحلم به عبر شتات النص وتعقيداته….

#المشخص #والطبيعة..

زر الذهاب إلى الأعلى