الطعن الانتخابي أمام القضاء الدستوري

يتّسم الطعن الانتخابي أمام القضاء الدستوري بمجموعة من الخصائص التي تميزه عن غيره، ويمكن تصنيفها إلى خصائص شكليَّة (مطلب أول) وأخرى موضوعيَّة (مطلب ثان).

المطلب الأول: الخصائص الشكليّة

إنّ الخصائص الشكليَّة تعدُّ من أبرز خصائص الطعن الانتخابي، والمتمثلة في الطابع الكتابي (فرع أول) والإعفاء من مؤازرة المحامي (فرع ثان).

الفرع الأول: الطابع الكتابي

أوْجب المُشرّع أن يتم الطعن في نتائج العمليات الانتخابية التشريعية أمام المحكمة الدستورية بعريضة مكتوبة (المادة 34 من القانون التنظيمي 066.13)، على غرار ما كان ينصُّ عليه القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الدستوري.

إنّ المسطرة الكتابية هي الخاصية المميزة والسائدة في التقاضي في جُلّ المنازعات المدنية والإدارية نظرا لِما تتميّز به من ثبات عكس التصريحات الشفوية. والطابع الكتابي لعريضة الطعن في العمليات الانتخابية يُعَد الأنسب، على أساس ما تستلزمه المسطرة من إرفاق العريضة بوسائل إثبات ومستندات، كما أنّه الأنسب أيضا لكون القانون (المادة 36 من القانون التنظيمي 066.13) يُوجب على المحكمة الدستورية أن توجه لأعضاء مجلسيْ النواب والمستشارين المطعون في انتخابهم نسخة من العريضة.

كما أنّ الطابع الكتابي للعريضة هو الأنسب لِما كان يستلزمه القانونان التنظيميان لكل من الغرفة الدستورية والمجلس الدستوري من إمضاء عريضة الطعن من طرف الطاعن أو نائبه. فالقاضي الدستوري في قراره 37.70 يقول: “وحيث يُستنتج… من الفصل 24 من القانون التنظيمي للغرفة الدستورية وجوب إمضاء عريضة الطعن من قبل الطاعن أو نائبه للتعريف بصاحبها، وأن إغفال هذا الإجراء يعد إخلالا بقاعدة شكلية جوهرية، مما يجعل هذه العريضة غير مقبولة”.

الفرع الثاني: الإعفاء من مؤازرة المحامي

نصَّ القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، في الفقرة الثانية من مادته الخامسة والثلاثين، على استعانة الطاعن بمحام. إلا أنّ هذا التنصيص ورد بصيغة الاختيار، حيث استعمل المشرِّع عبارة “يُمكنه” في إشارة إلى الطاعن، بمعنى أنّ الاستعانة بمحام ليس وجوبا وإنما مسألة اختيارية يجوز للطاعن اللجوء إليها إذا رغب في الاستفادة من كفاءة وخبرة المحامي، ويجوز له الاستغناء عنها وتقديم عريضة الطعن بصفة شخصية.

فالقاضي الدستوري، بمناسبة رقابته الإلزامية لدستورية القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، يقول في قراره: “فإن الانتخابات اعتبارا لطبيعتها وأدوارها وغاياتها الدستورية يجب أن تحاط، بما في ذلك الحق في الطعن في صحة الانتخاب أمام المحكمة الدستورية، بأعلى الضمانات وأن لا تقيد إلا بأقل القيود؛ وحيث إنّ اشتراط تقديم العرائض الرامية إلى المنازعة في انتخاب أعضاء مجلسي البرلمان وجوبا من قبل محام، من شأنه ثني بعض الناخبين، وحتى بعض المرشحين، عن اللجوء إلى المحكمة الدستورية للطعن في صحة الانتخاب”.

إنّ إعفاء الطاعن في العمليات الانتخابية من مؤازرة المحامي تُعدّ مسألة مبنية على مبدأ تسهيل الولوج إلى العدالة الدستورية. فهو تسهيل من الناحية المادية، حيث إنّ إجبارية الاستعانة بمحام تتطلب تكاليف مادية، وتسهيل من ناحية المِسْطرة حيث يتوجه الطاعن نفسه بتقديم العريضة. إلا أنّ هذا لا يُلغي فرضية أن تكون الكفاءة القانونية للمحامي ضمانة أكبر للالتزام بالشروط المتطلبة قانونا في عريضة الطعن الانتخابي تفاديا للدفع بعدم قبولها.

المطلب الثاني: الخصائص الموضوعية

الخصائص الموضوعيَّة للطعن الانتخابي تتجلى في كونه طعنا ضدّ الإجراءات (فرع أول) وغير مرتبط بصاحبه (فرع ثان).

الفرع الأول: الطعن الانتخابي طعن ضدّ الإجراءات

إنّ اللجوء إلى القضاء الدستوري من أجل الطعن في صحة العمليات الانتخابية موضوعه هو تفاصيل تلك العمليات الانتخابية. أي أنه ليس نزاعا بين شخصين وإنما نزاع حوْل العمليات الانتخابية، وبالتالي فهو طعن ضدّ الإجراءات التي تمت بواسطتها وعن طريقها العمليات الانتخابية، وهو ما يكشف مدى نزاهة وقانونية التفاصيل الإجرائية التي عرفتها الانتخابات.

لذلك اعتبر الفقه أنّ الطعون الانتخابية هي طعون غير متعلقة بحقوق شخصية، إذ نجد، مثلا، جان بول شارني يحسب أنّ “الأمر مرتبط بمصلحة عامة تتجلى في حسن سير العمليات الانتخابية، ولا يتعلق بأي حق شخصي”.

وعلاقة بالموضوع، فإنّ المجلس الأعلى في قراره الصادر بتاريخ الرابع عشر من دجنبر سنة 1960 يقول ضمن حيثياته: “حيث إن الالتجاء إلى القضاء في نوازل الانتخابات ليست الغاية منه الفصل في نزاع بين شخصين أو أكثر وإنما التحقق من أنّ العمليات الانتخابية قد أجريت طبقا لما أراده المشرع من هدف التصويت وحريته وأنّ هذا الالتجاء من أجل طبيعته غير موجه ضد أشخاص بل ضد إجراءات، لهذا فإنّ المقال الذي تقدم به… لم يكن موضوعه المطالبة بما عسى أن يكون لهم من حقوق شخصية ضد عامل البيضاء، بل يجب اعتبار الغاية منه ضمان مشروعية العمليات الانتخابية”. ونظرا لتطابق مضمونيْ الطعن الانتخابي في العمليات الانتخابية الجماعية أمام القضاء الإداري والطعن الانتخابي في العمليات الانتخابية التشريعيّة أمام القضاء الدستوري، فإنه يفهم أنّ موضوع الطعن نفسه طعن ضد الإجراءات.

هذا التوجه أكّده القاضي الدستوري في قراره رقم 644.2007 إذ فصَّل فيه بالقول “إنّ المجلس الدستوري، عند ممارسته لاختصاصاته في المجال الانتخابي، فإنه ينظر في الطعون المحالة عليه بوصفها طعونا موجهة ضد الانتخاب قصد الحصول على إلغاء نتيجة وليس ضد الشخص المعلن عن انتخابه، فتكون بذلك المهمة الأساسية للمجلس المذكور متمثلة طبقا لأحكام… في البتّ في صحة الانتخاب عبر مراقبة صدقه وسلامته”.

وعزّز القاضي الدستوري هذا النهج باستمراره في البتّ في الطعون الانتخابية المحالة عليه، رغم شغور منصب المطعون في انتخابه كعضو في أحد مجلسيْ البرلمان، إما بسبب الوفاة، إذ نصّ ضمن حيثيات قراره “إذا كان المقعد الذي شغله المرحوم… أصبح على إثر وفاته شاغرا بموجب قرار… فإنّ المنازعة في انتخابه.. تظل قائمة”، أو بسبب التعيين في منصب آخر يتنافى مع العضوية في أحد مجلسيْ البرلمان حيث نصّ في قراره “لئن كان المجلس الدستوري أصدر قرارا… قضى فيه بشغور المقعد الذي كان المطعون في انتخابه الأول يشغله بمجلس النواب، فإنّ هذا الشغور… لا يفضي في هذه الحالة إلى استبعاد الطعن المرفوع إلى المجلس الدستوري في مواجهة المطعون في انتخابه المذكور”.

الفرع الثاني :الطعن الانتخابي طعن غير مرتبط بصاحبه

إنّ الأصل في الدّعاوى المدنية أنها مرتبطة بصاحبها، أي بصاحب الحق، حيث نصّ الفصل التاسع عشر بعد المئة من قانون المسطرة المدنية في فقرته الأولى على أنه “يُمكن التنازل بعقد مكتوب أو بتصريح يُضمن بالمحضر ويشار فيه إلى أن الطرف تنازل عن الدعوى التي أقامها بصفة أصلية أو عارضة أو عن المطلب الذي رفعه إلى القاضي في موضوع الحق… يَترتب عن التّنازل عن الطلب مَحوُ الترافع أمام القضاء بالنسبة للطّلبات المقدمة إلى القاضي”. في حين أنّ الدّعاوى الجنائية الأصل فيها أنها مرتبطة بالحق العام، وبالتالي ولو تنازل صاحب الدّعوى عن حقه فإن النيابة العامة لا توقف الدعوى، حيث نصت المادة الثالثة عشر من قانون المسطرة الجنائية على أنّه “يُمكن للطرف المتضرر أن يتخلى عن دعواه أو يصالح بشأنها أو يتنازل عنها دون أن يترتب عن ذلك انقطاع سير الدعوى العمومية أو توقفها، إلا إذا سقطت هذه الدعوى تطبيقا للفقرة الثالثة من المادة الرابعة، مع مراعاة مقتضيات المادة 372 بعده”.

أمّا بالنسبة للطعن الانتخابي، فإنّه يُفهم من قرارات القضاء الدستوري أنّ الطعن مرتبط بصاحبه حيث جاء في قراره رقم 171.98 “بعد الاطلاع على الكتاب المسجل بالأمانة العامة للمجلس الدستوري في 17 ديسمبر 1997 الذي تنازل الطاعن بمقتضاه عن طعنه الآنف الذكر، طالبا من المجلس الدستوري أن يشهد عليه بذلك، وبعد الاستماع إلى تقرير العضو المقرر والمداولة طبق القانون، حيث إن تنازل الطاعن عن طعنه جاء صريحا فإنه لا مانع من الاستجابة لطلبه”، وهو نفس ما جاء به في قراره رقم 172.98.

كما نصّ في قراره رقم 437.2001 “حيث إن الطاعن السيد… تنازل صراحة عن طعنه في مذكرته المؤرخة في 8 ديسمبر 2000 الأمر الذي يتعين معه الإشهاد عليه به”، وبالتالي يُمكن القول أنّ القضاء الدستوري توجه نحو ربط الطعن في نتائج العمليات الانتخابية التشريعيّة بصاحب الطعن، إذ لمجرد تنازل الطاعن عن طعنه يوقف مسطرة البت في الطعن.

إلا أنّه في القرار رقم 1035.17 نصّ ضمن حيثياته على ما يلي: “حيث إن هذا الطلب لئن جاء واضحا وصريحا، فإن عريضة الطعن التي تقدم بها صاحب الطلب، تثير مسألة الأهلية للترشح التي هي من النظام العام ولا يحق التقيد فيها بالإرادة الانفرادية للطاعن، مما يتعين معه عدم الاستجابة له”. انطلاقا من هذا القرار يتبيّن أنّ تنازل الطاعن عن طعنه الانتخابي لا يوقف مسطرة البتّ في الطعن الانتخابي إذا تعلق الأمر بمسألة مرتبطة بالنظام العام والمتمثلة في أهلية الترشح. ثم إنّ القرار رقم 1040.17 ورد ضمن حيثياته “حيث إن تنازل السيد…عن الطعن الذي تقدم به في مواجهة السيد…، لئن جاء واضحا وصريحا، فإن ما أثير في عريضة الطعن المعنية من مآخذ من شأنها في حالة ثبوتها، النيل من حرية ونزاهة الانتخابات، مما يتعين معه التصريح برفض هذا الطلب”، ومنه يُستنتج أنّ القاضي الدستوري لم يقبل تنازل الطاعن عن طعنه الانتخابي.

يتبين ممّا سبق أنّ القاضي الدستوري لم يعتبر الطعن الانتخابي طعنا مرتبطا بصاحبه يسقط بمجرد التنازل عنه، ما دام أنّ المسألة تهم الشأن العام. وهو ما وضحه في قراره الذي جاء فيه “لا مانع من الاستجابة لطلبه لطالما أن عريضة الطعن لا تتعلق بالأهلية التي هي من النظام العام، ولم ترفق بحجج أو مستندات تثبت وقائع من شأنها النيل من حرية ونزاهة وشفافية الانتخابات وهي مبادئ أقرها الدستور… وجعلها قوام اختيار الأمة لممثليها في المؤسسات المنتخبة وكذا أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي”.

وعطفا على ما سبق، فإن القاضي الدستوري قرر عدم الاستجابة لطلب التنازل المقدم من طرف الطاعن في قراره رقم 180.22 م.إ، حيث وضح بصريح العبارة أن الدعوى الانتخابية تنصرف إلى حماية حرية وصدقية وشفافية العملية الانتخابية المقررة مبادئها في أحكام الفصلين الثاني والحادي عشر من الدستور. حيث ورد في أولهما أن الأمة تختار ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم، وفي ثانيهما أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي.

خلاصة القول، يُمكن القول على سبيل الختم إنّ القضاء الدستوري انتقل من اعتماد قاعدة اعتبار الطعن الانتخابي طعنا مرتبطا بصاحبه إلى اعتماد قاعدة الفصل بين الطعن الانتخابي وصاحبه طالما أنّ العمليات الانتخابية ليست مسألة مرتبطة بحق شخصي للطاعن وإنّما مسألة تهم الحق العام، وبالتالي لا يُمكن ربطها بالإرادة المنفردة.

#الطعن #الانتخابي #أمام #القضاء #الدستوري

زر الذهاب إلى الأعلى