“الشياطين” لدوستويفسكي

منجز أدبي من روسيا البالية يستفز أجيال البشر المقبلة

أجل، أزعم أني واحد من عشاق الأدب الروسي، ممن تذوقوا سرد العمالقة الشامخين السامقين المنيفين في عالم الحكي والسرد الروائي والقصصي الإنساني؛ أمثال دوتسويفسكي وتولستوي وغوركي وتشيخوف وبوشكين وآخرين. كما أزعم أني ممن يستحضرون سحر هذه النصوص الغنية المنفتحة، ويفتتنون بجماليتها في السرد وشساعة الخيال، ويتلمسون الآثار الخالدة متعتها في نفوسهم.

ولا شك في أن منسوب الوعي بالإبداع والجمال سيرتفع بعد القراءات الثانية والثالثة لهذا المعمار الأدبي الروسي الزاخر بالموهبة، البارع في الإمساك بروح الإنسان، بحنو نفسه، وعمق إنسانيته، وسر الافتتان بالحياة. ثمة إشعاع وفلسفة حياة. ثمة ذكاء يشع، وبراعة تسطع، وإنسانية تلتمع في كل الفنون والآداب، لا تكف عن الإعلان عن برنامجها الزاخر في صياغة وتشكيل مصير، ليس إمبراطورية روسيا القيصرية وحدها، وإنما العالم بأسره.

ولحكمة ملهمة، تبتدئ رواية “الشياطين” للشامخ فيودور دوستويفسكي من رواية أخرى ساخرة، بطلها رجل يدعى “جوليفر” وهو من بلاد «اللوبسيسين” لا يزيد طول البشر فيها عن قدمين؛ لكنه اعتاد أن يتخيل نفسه فارع الطول، عملاقا ضخما، حتى أنه أثناء سيره في شوارع لندن، كان يصيح بعفوية وعجرفة طالبا السماح له بالمرور، وإزاحة الأجساد والعربات من طريقه خوفا من أن يدوسها أو يلحق بها ضررا. فهو كان ولا يزال يعتقد أنه عملاق، والأنكى من ذلك هو أنه يتصور الناس مجرد أقزام. والمؤلف إنما أراد أن يلصق هذا التشبيه بستيفان تروفيموفيتش، أحد أبطال روايته الذي وصل إلى هذا الحد تقريبا. لقد ألف قصيدة شعرية وظل يعتقد أنها ضد نظام الحكم وتشكل خطرا على حياته. وتنتهي الرواية بموت ذات البطل ستيفان تروفيموفيتش. وقد فقد الشعور بالحياة قبل موته بكثير، لقد توفي بهدوء ورفق كما تذوب شمعة. وقد أمرت فرفارابيتروفنا بإقامة قداس في غرفة الموتى، وأرجعت جثمان صديقها العزيز إلى سيكفورشينكي. وجعلت قبره في حرم الكنيسة، وكست القبر بشاهدة من مرمر، وأحاطته في الربيع بسياج من حديد مشبك. وكان الراحل قد عاش شهرا كاملا في حالة خوف وتوجس من أن يحيق به شر من السلطة الحاكمة بعد نشره لقصيدة، والحقيقة خلافا لذلك تماما. فالقصيدة خالية من أي خطر، هو فقط اصطناع وتكلف ومبالغة في التعالي والتكبر. إن الأمر هنا أشبه بقط يتخيل نفسه نمرا، لكن في صورة أكثر براءة، وأقل ضررا وأذى؛ بل إن ستيفان تروفيموفيتش كان رجلا ممتازا بشهادة المؤلف والحق يقال.

والشياطين هنا سلسلة من الأحداث والوقائع، دسائس ومؤامرات تحاك بوعي خبيث، أو بتخطيط يكتنفه مكر الصدف ونسيج القدر، يتم سردها في قالب مشوق، بنفس متأرجح بين جنوح الخيال وسمو الروح من أجل الحياة بكرامة. كتاب يلامس هواجس مرحلة تاريخية بتجاذباتها وتقاطعات مجتمع بالكامل. لكن على مستوى التسمية، فإن تحويمة متأملة حول مرجعية السجل النقدي للرواية تجعلنا نتوقف أمام ثلاث ترجمات إنجليزية: الممسوسون- الأبالسة- الشياطين. وعلى الرغم من كل ما كتب حول هوامش وأصول النشأة، فإن تسمية «الشياطين» كما في المعاني الثلاث، في عمقها الدلالي وإحالتها الرمزية، لا تعني أناسا محددي الهوية، ولا تشير إلى أشخاص يتصرفون بخبث على نحو غير أخلاقي أو بأسلوب انحرافي إجرامي، كما ستتم الإحالة والتلميح إلى ذلك في أكثر من مكان؛ بل تقصد الأفكار التي تمس هؤلاء الأشخاص حين تستحوذ عليهم قوى دخيلة غير مادية. لكنها حية تخضع وتستبد بالوعي الفردي والجماعي، تشوهه وتدفعه نحو الكارثة”. وحسب المترجم، “فإن الشياطين ليست سوى مجموعة المذاهب والمعتقدات والتصورات والقناعات الفكرية وغيرها، التي اقتحمت البلاد، وأتت إلى روسيا من الغرب الأوروبي وهي: المثالية والعقلانية والتجريبية والمادية والنفعية والوضعية والاشتراكية واللاسلطوية، والعدمية، وما تستند إليه جميعا الإلحاد”. فيما تمثل الثقافة الروسية الأصيلة النابعة عن الروحانية والإيمان المتأصلين في الشعب المثل الأعلى المضاد المعبر عنه في الرواية من خلال شخصية إيفان شاتوف.

“ومن جهتي، يقول كارمازينوف، إحدى الشخصيات المتأرجحة التي تمثل نموذجا لشيطنة الذات، “إن النبالة الروسية تنحل بسرعة خارقة من جميع النواحي، أحب أن أؤخر انحلالي أطول تأخير ممكن. لذلك، أريد أن أستقر في الخارج إلى الأبد. المناخ هنالك أصح والبنيان الاجتماعي أقوى وكل شيء متين مبني بحجر ما رأيك؟ وفي حديث آخر: “آه يا أندريه أنطونوفيتش لو عرفت الحكومة ما هؤلاء الناس في الواقع لما رفعت يدها عليهم، إنهم جميعا مؤهلون لدخول دار المجانين. لقد استطعت في سويسرا أثناء انعقاد مؤتمرهم أن ألاحظهم على مهل”.

عندما أنهيت قراءة الرواية الشيقة “الشياطين” للمرة الأولى، خرجت بقناعة ثابتة لا غبار عليها، هي أن فيودور دوتسويفسكي هو أكبر شياطين روسيا، بل الشيطان الأكبر لكوكب المخيال السردي قاطبة، لكن بالمعنى الابتكاري للكلمة، وعلى نحو إبداعي خلاق. ليس لأن دوستويفسكي كانت له علاقة طيبة بالقيصر، وأحبه القيصر، وكان يزوره رئيس الكنيسة الروسية فحسب، بل إن دوستويفسكي كان قد وقف غير ما مرة، يخطب وينعى مادية الحضارة الأوروبية ويطالب بمقاطعتها وبقاء روسيا في روحيتها. “كانت له أفكار سامة”، على حد وصف مواطنه مكسيم غوركي له. أما البطلة الرئيسية فرفارا بيرتروفنا فهي جنرالة شياطين آل ستافروجين. وإذا سلمنا بأن “الشياطين” صورة حقيقية وواقعية لواقع روسيا إبان القرن التاسع عشر، بل صادقة وموضوعية في سردها على نحو جذاب وبارع. وقدرتها الفائقة في رسم التجاذبات السياسية الروسية إبان تسخينات الثورة الروسية، وجنوح الهيئات والتنظيمات السياسية والتكتلات المدنية الثورية والموالية للسلطة، والشبكات الاجتماعية في ظل نظام شيوعي ضاغط ومجتمع روسي يغلي بطبقات أرستقراطية متناقضة الرؤى متوحدة الأهداف. كل رأسمالها الاقطاع العبودية والاستبداد وتملك المال والاستحواذ على السلطة والنفوذ، في تواز مع العمل على ترسيخ آليات الحقرة بمختلف أنماطها وصورها. فإن القارئ سيجد في الأمثلة التالية ما يشجعه على الاقتناع لدرجة اليقين بصواب الرؤية، ومصداقية الاعتقاد، بسمو الإبداع والوعي إلى مرتبة الخلود.

الآن، لنحتشد حول المنصة حتى نرى المشهد في رؤية أكمل. فالإبداع عند دوتسويفسكي لا يستوي إلا برسم شخصياته كما هي في الواقع، على طبيعتهم وأصولهم، بنزعاتهم الفردية وتطلعاتهم، أفق إدراكهم، فوضاهم ازدحامهم اضطرابهم في المواقف، إنسانيتهم إبان الثورات والانتكاسات وزمن السلم والسلام. وصف يجعلنا كقراء لا نطيق الانتظار، فنقتفي أثر شخصيات تستقبل الموت بفرح وإحساس بالانتصار، تنهيدات صعداء تصل بنا إلى نهاية المآسي، ولا تستعجل في الدواخل الأفراح والمتع. إلى درجة تصبح فيها المشنقة والجلاد لبنة محبوبة لبناء الثورة ضد الحقارة ومناهضة الاستبداد. يستقيم في طلب ذلك الشيخ والفتاة الكهل والطالب الفلاح التاجر والعاطل. الكل يجري في شرايينهم الدم الأحمر. فتسعد، أو تحن، وأنت تتخيلهم مشنوقين معلقين متأرجحين في الهواء، وقد تناثر اللعاب من أفواههم المفغورة، وأرواحهم السابحة في الملكوت.

إن الفكرة الأساسية التي أبدع المؤلف في توزيع أدوارها واختيار شخوصها. والتي يمكن استخلاصها من الشياطين هي أن كل دقيقة أمام الإنسان هي فرصة حياة عادلة بكرامة، فواجب الإنسان أن يفعل ما يجعل أحلامه وطموحاته واقعا ملموسا ذلك قانون الإنسان «هو قانون خفي، ولكنه واقع”. ويمكن الاستدلال هنا بحالات يبلغ معها الفعل الإنساني أرقى درجات النبل. فيما تبلغ فيها الشيطنة أسمى معانيها قسوة وقذارة في الآن نفسه. يسبر دوستويفسكي في رواية «الشياطين» مدى توغل المد الشيوعي في المجتمع الروسي، ويستنهض الصراع متقلب الأطوار بين طبقات الشعب، من أجل تكريسها تارة أو الحد من وجع القيصرية المتسلط تارة أخرى. يقول الراوي في أقسى درجات الشيطنة «ادفعْ أربعةَ من أعضاءِ فئتكَ إلى قتلِ خامسهم بحجة أنه يخونهم، أو يتجسسُ عليهِم، أو يشي بهم. فإن هؤلاء الأربعة، ما إن يشترِكوا معا في سفك دمٍ حتى يرتبطوا ارتباطا قويا، فيصبحوا عبيدا لك. لن يجسُروا بعد ذلك أن يتمردوا، أو أن يحاسبوا.. هأهأهأ.”.

عندما يتكلم التلميذ، ويهذي المتردد، وتصرخ الخادمة، حتى عندما يتكلم ذلك الأستاذ المهووس بأعلى صوته محاضرا، فإنه يلخص الوضع السياسي الروسي ماضيا حاضرا ومستقبلا: «أيها السادة منذ عشرين سنة، قبل أن تدخل روسيا حربا ضد نصف أوروبا. كانت روسيا تجسد المثل الأعلى لجميع مستشاري الدولة. وكان الأدب عبد الرقابة، وكانت الجامعات تعلم الخطوة العسكرية، وكان الجيش قد أصبح فرقة باليه، أما الشعب فقد كان يدفع الضرائب ويصمت مجلودا بسياط القنانة. وكانت الوطنية تعني قبض الرشوات. فأما الذين لا يقبضون الرشوات، فيعدون عصاة ثائرين. لأنهم يشوشون انسجام النظام. وكانت أوروبا ترتعش، ولكن روسيا خلال السنين الألف من حياتها البليدة، لم تكن قد بلغت ذلك المبلغ من السقوط إلى الدرك الأسفل”.

ما يبهرني إلى درجة الفتك في روايات دوتويفسكي وصفه للشخصيات. فتجدني وقد استغرقت ضحكا وعجبا: يقول في بعض الأحيان مازحا وهو يصف إحدى الشخصيات المناهضة، لعله شاتوف “من أراد أن يناقش “شاتوف” فعليه أن يوثقه أولا” وكان مظهر “شاتوف” يناسب معتقداته. فهو أخرق الحركات صغير القد، كث الشعر، قصير القامة عريض الكتفين، أشقر اللون، ذو حاجبين أبيضين ثخينين وجبين مغضن وعينين مطرقتين في عناد”. لاحظ وصف العينين هنا يبدو أن نظرتهما إنسانية معذبة، تنشد الاشتراكية والسعادة والخير، لكنها تنتهي بالمشنقة. ويشرف على هذه المشنقة قيصر تؤيده كنيسة، وكهنة يقولون للشعب إن الفقر فضيلة، وأن الله قد حكم عليهم بالطاعة للقيصر. وأن جزاءهم بعد الموت نعيم مقيم. وأن الطمع في الدنيا خطيئة.

وعلى الرغم من صداقته لفرفارا بيتروفنا لمدة تزيد عن عشرين عاما. وفرفارا بيتروفنا شخصية قوية تعتنق مبادئ كلاسيكية، تحمي العلماء، وترعى الأدباء. ولا تستلهم في سلوكها غير البواعث العليا والدوافع السامية؛ فإن ستيفان تروفيموفيتش قد ظل شخصا غريب الأطوار، يضحك على حين غرة في ابتذال، متحدثا عن نفسه بلهجة ساخرة. لقد كان في حاجة ماسة إلى مربية أطفال.

أما أشخاص قصصه فهي حالات نفسية مضطربة المشاعر لا تستقر على حال، لكنها مؤمنة بما تفكر فيه. شخصيات وشخوص إما متهمة بالتحريض على الثورة أو ضدها، أو مراقبون عن بعد، تحت مجهر الجواسيس أو من قبل الشرطة. فيما يجري النقاش بينها بخصوص المشاكل والمآسي والقلاقل والهواجس بميزان إيمان صوفي متأرجح بين دهشة الفلسفة ونبل الرضا بما هو قائم. فكل اضطراب للنفسية البشرية، وكل الاحتجاجات وأشكال التمرد والعصيان المدني الذي ينشب هنا أو هناك مرده حرمان وفقر وجهل. هذا أمر مؤكد. إن نقطة ارتكاز المنجز الأدبي القيامي لدوستويفسكي يقوم أو يتأسس على الرذائل والموبقات وأشكال التوتر المدني التي تولدت عن أساليب الاستبداد وسيادة الإقطاع وتملك الانفراد بالسلطة المطلقة. ذلك تكالب الثلاثي الأضلاع الذي قض مضجع روسيا إبان هذه الحقبة المشتعلة المتورمة من تاريخها، إنه “استبداد القياصرة وبطش النبلاء، واستعمار الشركات الأجنبية الغربية تحديدا” أنها بالمقتضب المفيد شيطنة المجتمع الروسي بأياد خارجية أو عملاء لها في الداخل. على أن ثمة ردة فعل صوفية تصبغ الشخصيات عند دوتسويفسكي، فهي تشكل بالنسبة إليه صخرة الأمان المجتمعي في زمن الصواعق والشيطنة الجارفة.

ولعل التفكير بالأحاسيس والمشاعر الإنسانية متقلبة الأطوار في مجاراتها للتيارات التي تجرفها هي ما يميز أدب دوستويفسكي. أحاسيس ذكية ومشاعر نبيلة وسامية تتعمق وتتسامى وفق صفارة طنجرة الضغط ما دام الحلم بالخير يعوقه البؤس والحرمان، فيحوله إلى طريق معبد وسالك نحو الإجرام. والإجرام كنتيجة هنا، نابع من صميم شعب جائع غاضب وحزين من قياصرته.

في فصول كثيرة من رواية “الشياطين”، يظهر الأبطال مسيجين بشك قاس ومؤلم، تكتنفهم حيرة مضنية، خلال اشتداد أزماتهم النفسية. تجعلهم في برزخ بين الثقة في العلم والإيمان بالغيبيات؛ فالدين هنا هو تلك “الحيرة بين الثورة والاستسلام بين الموضوعية والذاتية”، وفي أحيان كثيرة يكاد دوستويفسكي “يكره العلم بتجربته، ويوثر الدين بغيبياته “فقوام قانون الحياة البشرية كله أن يكون في وسع الإنسان أن ينحني أمام شيء عظيم. عظمة لا نهاية لها. فإذا حرم البشر من هذا الشيء الذي لا نهاية لعظمته رفضوا أن يعيشوا وماتوا في اليأس فالنهاية والمطلق لا غنى للإنسان عنهما”.

لكن حين يقف البطل أمام القدر مهزوما، وحين يجابه المرض وعليه علامة الحكم بالإعدام. وحين تواجه الفقر والمرض والجوع في هذه الحالات جميعا، نخضع ونستسلم، بل نمدح هذا الواقع ونجد فيه نظاما ينطوي على عدل لا نفهمه “تخيل صخرة في حجم عمارة كبيرة. وتخيل أنها بارزة فوق الطريق، وأنك تحتها، هل تحس بألم إذا هي سقطت على رأسك؟”.

لا ننكر أن الشياطين بالمعنى القدحي تشغل جزءا من تفكيرنا الإنسي. وهي كذلك مؤشر حي لقياس ذبذبات عمرنا في تجاذبات الحياة كما نريدها مع تناقضات معيشنا اليومي، وحاجز شفاف ومدجج بالمعتقدات والأحلام يفصل الذات عن الحياة والناس. ومن شبه المؤكد أن التربية الدينية تجعل إبليس جزءا من صناعة الشر في حياتنا وتجتهد في وصفات طرده من دواخلنا. وتورد الأحاديث والنصوص أن إبليس كان جميلا لما كان برفقة الملائكة، ولما عصى الله وتجاهل طاعته قبح صورته لكن عندما يشب حريق في بطرسبورغ فالمذهب العدمي هو المسؤول.

كل شخصية من شخوص رواية الشامخ السامق المنيف فيودور دوستويفسكي “الشياطين” أرشيف زاخر من الزندقة والاشتراكية والمنشورات التحريضية “فرفارا بيتروفنا – ستيفان فيرخوفنسكي -داشا – صوفيا-– فيليبوف –جاجانوف- -براسكوفيا ايفانوفنا- بطرس ستيفان -ال دروزدوف -داريا –ستيفان تروفيموفيتش كارمازينوف – –ناستازيا ستيفانوفيتش فرخوفنسكي- فون لمبكة – -جوليا ميخائيلوفنا – ليبوتين-كارمازينوف –ستافروجين كيرلوف-سالزفيتش- ليامشين -كابتن ليبيادكين-اليكسي نيلتش-ليزا –شاتوف-نيكولاي فسيفولودفيتش –مافريكي نيكولاي-أنيسيم” ليست كلها كائنات بشرية متعجرفة مزهوة بنفسها؛ لكنها تريد أن تنتصر على الرعب من الموت. لكنها تحمل ملامح شيطان رجيم داخلها. لقد جعلها الكاتب تكشف عن ذلك بنفسها من خلال استغوار عميق وعالم لسيكولوجية النفس البشرية، وتحليل ذلك من خلال تجلياتها.

فقد تقمصت الشياطين أرواحا إنسية، واستطاعت أن تلعب أدوارا ناجحة في حياة أبطال دوستويفسكي، وتحقق انتصارات مذهلة في معارك ضارية. نفث فيها المؤلف روح من يصبو للزعامة، فجعله يرتكب المجازر والمساوئ ويقتل كل جميل بكل قبيح من أجل أن يصل إلى سدة القرار، وحشد قلوب البعض بشحنات من الغرور والعجرفة والتكبر. كما تمكن بنجاح من التسلل إلى حياة الأزواج، ونجح في العبث بمشاعر العاشقين، وضخم الأحداث البسيطة، لهدف في نفس يعقوب وحولها إلى حروب شرسة وصراعات طاحنة. وتمكن الشيطان في النهاية من اختراق الحصون المنيعة بمكر خبيث لينغص حياة المجتمع وينفث فيها الجهل والمرض والأمية. فهل ثمة إمكانية للنجاة من غواية هذا المارد الشيطان سليل الأبالسة؟ “أما اذا كنت موافقا على تدمير الكنائس، وعلى الزحف إلى بطرسبورغ بهراوات، والمسألة في نظرك مسألة توقيت فكيف يمكنك أن تكون موظفا في الدولة؟”.

تبدو رواية “الشياطين” رؤيا متبصرة للعواقب الكارثية المحتملة للعدمية السياسية والأخلاقية التي كانت سائدة في روسيا في ستينيات القرن التاسع عشر. وحسب المترجم، «فقد انزلقت مدينة خيالية إلى الفوضى بعد أن تحولت إلى نقطة مركزية لثورة حاولت القيام بها تحت إدارة المتآمر الرئيسي بيوتر فرخوفنسكي. تهيمن الشخصية الأرستقراطية الغامضة التي يمثلها نيكولاي ستافروجين – نظير فرخوفنسكي في المجال الأخلاقي على الرواية. وتمارس تأثيرا غير عادي على قلوب وعقول كل الشخصيات الأخرى تقريبا. يقدم الجيل المثالي المتأثر بالغرب في أربعينيات القرن التاسع عشر، والذي تجسد في شخصية ستيفان فرخوفنسكي (والد) بيوتر فرخوفنسكي ومعلم الطفولة لنيكولاي ستافروجين)، على أنه سلف غافل ومتواطئ بائس مع القوى الشيطانية التي تستولي على المدينة. يقول كيرلوف: “لقد قدروا في الجمعية أنني بانتحاري أستطيع أن أخدمهم. فإذا قمتم هنا بعمل شيء ما، فأخذت السلطات تبحث عن الفاعلين، أطلقت أنا على رأسي رصاصة تاركا رسالة أذكر فيها أنني أنا الذي فعلت كل شيء. فبذلك تفلتون من الشبهات خلال سنة بأكملها”.

عندما ينضج الوعي، وتستعر الثورة، يصبح التلميذ معلما وثائرا غاضبا «الأوهام الاجتماعية أمور بالية تجب محاربتها طبعا. ولكن فيما يتعلق بالأدعياء، فإن جميع الناس يعرفون أنها سخافات تافهة. وأنه ليس يجدينا أن نضيع في الكلام عليها وقتا ثمينا؛ فالأفضل أن ينفق المرء وقته في أمور نافعة”. ويأتي الرد سريعا. ويبرز الخطاب القيصري أنيابه الحريرية: “نحن لسنا أعداء لكم أبدا. نحن نقول لكم امضوا إلى أمام. تقدموا، بل وزعزعوا أعني زعزعوا كل عتيق بال. كل ما يجب أن يتغير. ولكننا سنبقيكم في الحدود المعقولة متى لزم ذلك، فنحميكم بهذا من أنفسكم. لأنكم إذا لم نوجد نحن، لن تزيدوا على أن تقلبوا روسيا عاليها سافلها. فلا يبقى لها وجه إنساني. إن هدفنا هو الإبقاء على هذا الوجه الإنساني”.

“الشياطين” نشرت لأول مرة في مجلة الرسول الروسي في الفترة بين 1871 – 1872، وهي تعتبر بإجماع نقاد الكوكب الأرضي إحدى الروائع الأربع التي كتبها فيودور دوستويفسكي بعد عودته من المنفى السيبيري، إلى جانب رواية “الجريمة والعقاب” 1866 ورواية “الأبله” 1869 ورواية “الإخوة کارامازوف” 1880. رواية “الشياطين” هي رواية اجتماعية وسياسية ساخرة ذات بعد درامي نفسي، ورواية مأساوية على نطاق جارف. وصفتها الكاتبة الأمريكية جويس كارول أوتس بأنها الأكثر تشويشا وعنفا، وعمله المأساوي الذي يبعث على الرضا. ووفقا لرونالد هينغلي، فإنها “رواية دوستويفسكي الأكثر هجوما على العدمية، وإحدى إنجازات الإنسانية الأكثر إثارة للإعجاب”. بل وربما إنجازها الأسمى في فن الخيال النثري. وفيودور دوستويفسكي هو روائي وكاتب قصص قصيرة وصحافي روسي. ويجمع كافة النقاد على أن رواياته تحتوي على فهم عميق للنفس البشرية. كما تقدم تحليلا ثاقبا للحالة السياسية والاجتماعية والروحية لروسيا في القرن التاسع عشر، وتتعامل مع مجموعة متنوعة من المواضيع الفلسفية والدينية، وقد بدأ بالكتابة في العشرينيات من عمره، ونشر أولى رواياته “المساكين” عام 1846. وأعماله الكاملة تضم 11 رواية طويلة، و3 روايات قصيرة، و17 قصة قصيرة، وعددا من الأعمال والمقالات الأخرى. العديد من النقاد اعتبروه أحد أعظم النفسانيين في الأدب العالمي حول العالم. وهو أحد مؤسسي المذهب الوجودي، حيث تعتبر روايته القصيرة “الإنسان الصرصار” أولى الأعمال في هذا التيار، وفق المصادر ذاتها.

#الشياطين #لدوستويفسكي

زر الذهاب إلى الأعلى