السياسي ومتلازمة العجرفة

عندما يصبح اسم فاعل سياسي ما، الشاغل لمركز مؤسساتي سياسي ما مثار سخط وجدل. غالبا ما يُفسر ذلك بابتعاد ذلك الفاعل عن نموذج السلوك الذي تفرضه التوصيفات المعيارية والانتظارات المرتبطة بذلك المركز. بعبارة أخرى، عندما لا يحصل امتثال من طرف الفاعل للدور السياسي الذي يتطلبه المركز المؤسساتي، أي مجموع التمثلات، العادات، العقائد، الأخلاق، المعارف والطقوس المقترنة بذلك بالمركز، يقع اضطراب وتشويش للمعنى المشترك للنظام المؤسساتي، ينتج عنه تعرض سلوك هذا الفاعل للشجب والاستنكار من طرف المجتمع. فكل مركز مؤسساتي في الحقل السياسي يقابله دور سياسي خاص به. فمثلا، الرئيس، الوزير أو البرلماني ليسوا أحرارا في أقوالهم، أفعالهم وسلوكاتهم، بل ملزمون باحترام ومراعاة القواعد التي يفرضها المنطق المؤسساتي، منطق هو نتاج مسار تاريخي للمؤسسة أكثر منه نتاج تدوين قانوني محدِث لها.

لكن، إذا كانت عملية بناء النظام المؤسساتي عبارة عن سيرورة لا منتهية “un processus en actes”، فهذا يَفترض أن قواعده ليست جامدة، وهوما قد يعطي للفاعلين الدين يسكنون تلك المؤسسات هامشا لتغيير تلك القواعد، أو على الأقل، تأويلها بشكل مختلف وغير مألوف، يفضي في كلتا الحالتين إلى تحول في سلوك الفاعل ودوره السياسي. الجواب على هذا الافتراض يحتمل الوجهين: ليس ممكنا، لأن تغيير المؤسسات غالبا ما يستلزم زمنا أطول من الزمن السياسي للفاعلين، فهو يتم بشكل بطيء وتدريجي “incrémental” نتيجة لعدم قدرتها على التخلص من إرث الماضي الثقيل وإكراهاته. ممكن، لأنه قد تأتي لحظة زمنية معينة يكون فيها من جهة السياق السياسي، الاجتماعي، الثقافي والقانوني مناسبا ومن جهة أخرى رجل سياسة من طينة خاصة يرفض التقيد حرفيا بالتوصيفات المعيارية للدور السياسي الذي يشغله دون أن يثير ذلك سخط المجتمع، بل قد يصبح الامر موضع إعجاب وإشادة (بنكيران مثلا، لم يجسد دور رئيس الحكومة بالشكل الذي اعتاده المغاربة ولا بالشكل الدي جسده من خلفه).

طبعا لعبة القفز على القواعد المؤطرة للدور السياسي ليست بالسهلة، فهي مغامرة غير مأمونة العواقب وليس في استطاعة أي كان القيام بها. فكما يوجد ممثلون على المسرح يستطيعون إدهاش الجمهور بقدرتهم على الارتجال وتجاوز دورهم المدَوَّن على لفافة الورق، هنالك آخرون إن أقدموا على الفعل نفسه يكون قدرهم الاستهجان والاستقباح. لذا فقلة قليلة من السياسيين بمقدورهم منح دورهم السياسي أسلوبا خاصا مغايرا لما ألفه المجتمع من دون أن ينال ذلك من شعبيتهم، وهو ما يفسر بالمقابل حرص أغلبهم على الامتثال والالتزام بقواعد الدور عوض المجازفة (يرجع الكثير من المهتمين بالسياسة الفرنسية نزول شعبية الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي وعدم تجديد ولايته إلى عدم استساغة الفرنسيين لأسلوبه كرئيس أكثر منه إلى فشل في سياساته الاقتصادية). فلا شيء يمنع في حالة عدم احترام تلك القواعد من وقوع انزلاقات تدريجية تفضي إلى حالة من انعدام الضوابط تغديها غواية السلطة وهوى الحكم (حالة بوكاسا الرئيس الذي نَصَّب نفسه إمبراطورا لجمهورية إفريقيا الوسطى).

سنة 2008 صدر للطبيب والسياسي الإنجليزي دفيد أوين كتاب”In Sickness and in Power”. ترجم للعربية تحت عنوان “في المرض وفي القوة” تناول من خلاله إشكالية الأمراض النفسية والجسدية لرؤساء وحكومات الدول خلال المئة سنة الأخيرة، ومدا تأثير ذلك على صوابية قراراتهم وطريقة معالجتهم للأزمات. بيد أن الإضافة الأهم للكتاب تكمن في محاولة الكاتب تقديم جرد لأعراض اضطراب الشخصية المكتسب بفعل ممارسة الحكم. وهي عبارة عن أعراض تعكس تغيرا سلبيا وغير مسبوق في طباع الفرد عند تعيينه في مركز مسؤولية رفيعة، أطلق عليها الكاتب اسم “متلازمة إيبريس: le syndrome d’Hubris ” أو متلازمة العجرفة.

يعدد الكاتب أربعة عشر عرضا لمتلازمة الغطرسة، يمكن تلخيصها كالتالي: اهتمام المصاب المبالغ لصورته وطريقة كلامه، استعماله المفرط لكلمة “نحن” عند الحديث، استئثاره بالرأي وامتناعه عن سماع النصح، احتقاره وازدراؤه لآراء الآخرين، التوتر التهور والاندفاعية، الأولوية في اتخاذ القرار لتضخيم صورته الذاتية، تلذذه بإهانة واحتقار أفراد الشعب وإيذائهم من وقت لآخر ليشعرهم بأنهم في موقع أدنى منه، إقحامه للمبررات الأخلاقية والمثل العليا السامية في كل كبيرة وصغيرة بسبب وبدون سبب، تماهي وذوبان ذاته مع الوطن أو المؤسسة فيصبح هو الوطن أو المؤسسة، يعتبر نفسه فوق أي مساءلة شعبية، فقدانه التواصل مع الواقع، ثقته المفرطة في ذاته وعبقريته تجعلانه يعتقد أنه دائما على صواب وغيره على خطأ، التصرف دونما روية أو اكتراث، تردده وعدم قدرته الواضحين على التعامل مع التفاصيل والأمور الدقيقة.

يجب أن نذكر هنا أن الكاتب لم يشترط توفر كل تلك الأعراض في ممارس السلطة حتى يتسنى لنا القول بأنه مصاب بملازمة الغطرسة. إذ يكفي توفر ثلاثة منها على الأقل لتكون حالته إيجابية.

والآن، دعونا نقوم بمحاولة لاختبار مستوى انتشار هذه المتلازمة من عدمه في حقلنا السياسي، عبر إسقاط تلك الأعراض على الفاعلين فيه من أصحاب السلطة. هل تريدون فعلا أن نتطرق لبعض الأسماء أم أن الأمر واضح وبيِّن؟ هل يستحق الأمر فعلا عناء المحاولة؟ فالنقاش العام، المُسْبِت والفاتر، عوض أن تكون مواضيعه مناقشة السياسات العمومية أو المشاريع ذات الرهانات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، أو حول المشروع المجتمعي الذي نريد. أصبحت مواضيعه أو شبه تكاد محصورة بين استهجان أو تبرير سلوكات أصحاب سلطة أفقدهم جنونها احترام القواعد الدنيا التي يفرضها منطق المؤسسات التي يمثلونها. إذ أضحوا وكأنهم في مهمة رسمية، بالكاد تخفت فضيحة أحدهم حتى يطلع علينا آخر بفضيحة أخرى أعجب وأغرب: بريمر أصيلة المدمن على سب وقذف المواطنين والمنتخبين، الوزير المتعجرف القادر على التنبؤ بلون جوارب الناس، الوزير المتحمس لإعادة تربية المغاربة، رئيس القبة الذي وصف المغاربة بالمرضى… غيث من فيض يكشف مستوى التهريج والرداءة الطاغيين على المشهد السياسي برمته.

أخيرا العديد من الأسئلة تُطرح حول سبب تكاثر هذه الطينة من السياسيين خصوصا خلال السنوات الأخيرة، هل الأمر مجرد قضاء وقدر، مكر للصدف، إفراز وانعكاس طبيعي لتغيرات لحقت بالمجتمع، غياب نخبة سياسية حقيقية مقتدرة ومسؤولة، أم أن الأمر وراءه إرادات تقتضي مصالحها إغراق المشهد بفاعلين من هذا النوع؟ كيف أمكن لعقل السلطة التغاضي عن إخفاقهم في تدبير الشأن العام وتسامحه مع سلوكهم المستفز للرأي العام بل وأحيانا التنويه والإشادة بهم بالعمل على ترقيتهم. على ما يبدو أن من وراء الأمر غايتان: الأولى هي ملء الفضاء العمومي السياسي بعد أن تم التحكم فيه بشمل يكاد أن يكون مطلقا، بمواضيع وقضايا رخوة مصدرها انحرافات وفضائح هذه الطينة من السياسيين بغية إلهاء المجتمع، وإبقائه مشغولا كي لا يقترب من القضايا المزعجة للسلطة الفعلية. أما الغاية الثانية، فهي خلق نوع من الشك لدى المواطن من جدوى الديمقراطية وآلياتها وبالتالي التراخي في المطالبة بها، وكأن هذه السلطة تريد بذلك توجيه تحذير للمواطن؛ انظر إلى ما قد تجلبه لك الديمقراطية من خيبات، يتوسلون صوتك في الصباح ويحتقرونك في المساء. لذا من الأفضل لك إذن إبقاء الوضع على ما هو عليه.

#السياسي #ومتلازمة #العجرفة

زر الذهاب إلى الأعلى