الدروس المخوصصة

الدروس المخوصصة

إبراهيم أقنسوسالثلاثاء 27 شتنبر 2022 – 09:57

مبدئيا، ليست هناك دروس خصوصية، وما يصح لها أن تكون، لسبب واضح وبسيط، مفاده أن العملية التعليمية خدمة عمومية، تعرض خدماتها على كل المواطنات والمواطنين، بكل أصنافهم وأوصافهم وطبقاتهم، سواء بسواء، وبلا مقابل مادي. كل هؤلاء المواطنين والمواطنات يلتحقون، ومن حقهم أن يلتحقوا، وبشكل عادي، بالمدرسة العمومية التي ترعاها الدولة، وتحرص على نجاعة أدائها، فكريا ومنهجيا وتربويا، وتتحمل مسؤولية الملتحقين بها جميعا؛ والعادي جدا أن تكون الأنشطة والتعلمات، التي تقترحها وتعرضها على التلاميذ والطلبة كافية ووافية، وتحقق الحد الأدنى والمعقول من الفهم والاستيعاب، فلا يحتاج الطالب بعدها لأي دروس من أحد، لأن السيد الأستاذ قام بدوره التربوي كاملا، ولأن الطالب بذل جهده لتحصيل الفهم المطلوب، ولأن المناهج والبرامج المقترحة تفي بالغرض.

لنا أن نسأل الأجيال السابقة كيف تلقت تعليمها، ليتأكد هذا المعنى؛ إذ كنا نعتبر دروس الأستاذ داخل الفصل كافية وزيادة، ولم نكن في حاجة إلى كل هذه المسميات التي تتناسل بلا معنى، والقلة القليلة من التلاميذ، الذين تعسر عليهم بعض الأمور، كانوا يقومون بالمراجعة، وهكذا كانت تسمى، وتعني إعادة تقديم التعلمات لمن غفل أو شرد، أو لم يتمكن من متابعة الأستاذ، أثناء الدرس، لسبب من الأسباب. وكانت هذه (المراجعة) في مجملها تقدم بلا مقابل مادي، وكان المشرفون عليها من الأساتذة يعتبرون أنفسهم متطوعين لتقديم خدمة إنسانية نبيلة، هي أكبر من كل عائد مادي، وكانت تنظم في دور الشباب، وفي مقرات بعض الأحزاب، حين كانت الأحزاب تستحق هذا الاسم، وأيضا في بعض الدور والمنازل البسيطة.

وعموما كانت هذه المراجعة بمثابة مساعدة ودعم لبعض التلاميذ، ولم تكن دروسا خصوصية، كما تسمى اليوم زورا وكذبا، لأن الدروس والتعلمات المقررة لا يمكن خصخصتها، فمكانها الطبيعي الذي تقدم فيه، ويجب أن تقدم فيه، ولكل المواطنات والمواطنين وبنجاح، هو المدرسة العمومية، ومن طرف أساتذة تم تكوينهم وتأطيرهم لهذا الغرض؛ فكل محاولة لخصخصة التعلمات المقررة، بلا ضابط منهجي دقيق، ومتوافق حوله، إنما هي تهريب لهذه الدروس والتعلمات، من مكانها الطبيعي، إلى أماكن أخرى، بغرض المتاجرة بها، والمتاجرة بمن يقبل عليها.

وعلينا أن نكون صرحاء، فإذا كان الأمر يتعلق بالظروف المادية لبعض الأساتذة فالأصل ألا نضطر الأستاذ إلى تسول التلاميذ، أو ابتزازهم، فمقامه أكبر من ذلك بكثير، وإذا كان السبب هو تراجع مستوى التلاميذ، وعدم قدرتهم على استيعاب التعلمات، فإن إعادة تقديم هذه التعلمات نفسها، في مكان آخر، غير الفصل الدراسي العمومي، لا يمكن أن يكون حلا معقولا.

الدروس الخصوصية تعني تقديم تعلمات خاصة لعينة محددة من التلاميذ، يتم انتقاؤهم من داخل المدرسة العمومية، وفق مواصفات منهجية وعلمية دقيقة، بغرض خدمة تخصصات معينة، ينتظر أن تعود بالنفع على البلاد.

والمؤكد أن معظم ما يتم تقديمه اليوم من تعلمات، خارج المدرسة، لا علاقة له بهذا المعنى، وإنما هي عملية خوصصة قسرية يتم بموجبها تهريب أو إعادة التعلمات العادية نفسها التي يتم عرضها في المدرسة، بحجج غير علمية ولا منطقية، تتعلق بكفاءة الأستاذ مرة، وبعجز التلميذ عن الفهم مرة. فكيف يعجز التلميذ عن الفهم داخل الفصل الدراسي ثم يتمكن من الفهم خارجه، ومع الأستاذ نفسه أحيانا؟ وكيف لا يكون الأستاذ كفؤا داخل قسمه ثم يكون كفؤا خارجه؟ أشياء كثيرة يصعب فهمها حين يغيب المنطق والوضوح.

#الدروس #المخوصصة

زر الذهاب إلى الأعلى