البعد الديني وأثره في تشكيل ملامح الشخصية المغربية

دور البعد الديني في ترسيخ الوعي البيئي في المجتمع المغربي

لا شك أن العالم اليوم يعيش على وقع أزمة إيكولوجية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية، نتيجة للاستنزاف المفرط للموارد الطبيعة، وتعريض الوسط البيئي لكل أنواع الملوثات التي أصبحت تهدد حياة كل الكائنات الحية بما في ذلك الكائن البشري، ولقد كان من الطبيعي في ظل هذه المؤشرات الخطير ة التي بدأت تلوح في الأفق، أن يتحرك العقلاء من أهل الأرض لدق ناقوس الخطر، والتنبيه على مدى خطورة الوضع البيئي، وعلى الانتهاكات الجسيمة التي تتعرض لها البيئة برا وبحرا وجوا، وكان من الطبيعي أن يكون من نتائج هذه الصرخة المدوية التي تردد صداها في مختلف أرجاء المعمور بعض الآثار الحميدة، تجسدت بالخصوص في عقد مجموعة من المؤتمرات والاتفاقيات سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي، وإنشاء عدد من المؤسسات والمنظمات ذات الاهتمام بالبيئة.

ولم يكن المغرب بعيدا عن هذه الدينامية البيئية، حيث انخرط بدوره في هذا المسار من خلال القيام بعدد من الإجراءات المؤسساتية والقانونية، تمثلت في إحداث عدد من المؤسسات كآلية لتتبع الحالة البيئية بالمغرب وإنجاز دراسات في هذا الشأن، وكذا سن مجموعة من القوانين للنهوض بقطاع البيئة وبالطاقة المتجددة. وقد توجت هذه الجهود التي بذلها المغرب في إطار حماية البيئة بتنظيم الدورة الثانية والعشرين من مؤتمر المناخ بمدينة مراكش سنة 2016.

وإذا كانت كل هذه التدابير والاجراءات المؤسساتية والقانونية تعتبر مهمة للحد من المخاطر التي تهدد نظامنا البيئي، فإنه لابد من التأكيد على أن استدماج المكون الديني في المقاربة البيئية يعتبر خطوة مهمة للتغلب على تلك المخاطر المتفاقمة، نظرا لما للدين من أثر كبير في مخاطبة النفس البشرية والدفع بها إلى الالتزام بتلك التوجيهات والإرشادات البيئية، بل وجعلها حالة تدينية يكون الالتزام بها جزءا من العبادة.

ولئن كانت كل الديانات والثقافات الإنسانية قد اهتمت بالبيئة، فإن الإسلام قد اعتنى بهذا الموضوع غاية الاعتناء، وسعى إلى إقامة علاقة حميمية بين الإنسان وباقي مكونات المجال. وقد بحث العلماء في إطار الشريعة الإسلامية هذا الموضوع، وأغنوه باجتهاداتهم وتآليفهم، فتشكلت من خلال تلك الجهود ثقافة بيئية متميزة، ظلت على الدوام حاضرة في وجدان الإنسان المسلم.

ولعل من أهم القضايا البيئية التي اهتم بها الإسلام ما يتعلق بالثروة المائية، إذ الماء في التصور الإسلامي يعتبر العنصر الضروري لجميع الكائنات الحية، كما يعتبر جزءا من الممارسة الدينية بحيث إن عددا من الشعائر الدينية لا تصح إلا بشرط الطهارة؛ لذلك كان من الضروري والحالة هذه أن نجد الإسلام قد خص هذه المادة الحيوية بعناية فائقة، حيث تحدث القرآن الكريم عن الماء في سياقات مختلفة، وأكد على أهميته وضرورته للحياة، كما نبه إلى إمكانية نضوب الماء رغم وفرته، وتحدثت السنة النبوية أيضا عن الماء بشكل مفصل، ودعت إلى ترشيد استعماله والمحافظة عليه.

وفي ضوء هذه التوجيهات المائية التي حفلت بها نصوص الوحي من الكتاب والسنة، استطاع الفقه الإسلامي والفقه المالكي على الخصوص، أن يفرع عنها مجموعة من القواعد والأحكام المتعلقة بتدبير الموارد المائية وحل النزاعات الناشئة حولها، وقد تضمنت كتب التراث الفقهي ومدونات فقه النوازل، مجموعة من المواضيع التي تتعلق بتدبير الموارد المائية وتنظيم استخدامها، سواء تعلق الأمر بالمياه المتملكة، أو بالمياه العامة التي يشترك فيها جميع الناس، والتي تعرف عند الفقهاء بمياه الفلوات أو المياه السائلة في بطون الأودية والأنهار.

ويعتبر كتاب المعيار المعرب لأحمد بن يحيى الونشريسي (ت 914 هـ) من أضخم المدونات الفقهية الجامعة لفتاوي أهل المغرب فيما يتعلق بتنظيم استخدام الموارد المائية، وكيفية تدبير النزاعات الناشئة حولها.

وقد تضمن كتاب المعيار مجموعة من النوازل والفتاوي المتعلقة بتدبير الموارد المائية، والتي لها قيمتها التاريخية، لاسيما في الجزء الثامن منه، مما يؤكد على الارتباط الوثيق بين الديني والمدني في المجتمع المغربي، وعلى محورية الدين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المغربية.

ومن بين النوازل المائية التي ذكرها الونشريسي نازلة وجهت إليه من طرف قاضي تلمسان تتعلق بعين ماء مشتركة بين أناس يسقون منها جناتهم، فمنهم من حظه نهارا، ومنهم من حظه ليلا، ومنهم من حظه في غدوة إلى الزوال، ومنهم من حظه من الزوال إلى العصر، واستمرت العادة فيما ينيف على الخمسين عاما…وقد التبس على المستخدمين كيف كانت القسمة سابقا؟ وهل هي كما يعرفونها الآن؟ وكيف تحدد المواقيت تماما لاسيما بعد انتقال الحقوق بإرث أو ابتياع؟

وبغض النظر عن إجابة الونشريسي التي أكد من خلالها على أن “الاستظهار بأصول الأشربة ورسومها لا يعارض الحوز ولا تفيد المستظهر بها فائدة معتبرة في نظر الشرع، إلا مع اتصال الحوز بها واليد الشاهدة لها” فإن ما يهمنا هو استعانة أهل تلمسان في هذه النازلة بالفقهاء لحل هذا الإشكال الناجم عن تقادم العهد في العمل بالعادة المتوارثة في السقي ضمن هذه العين من الماء، مما يدل دلالة واضحة على أهمية الفتوى في تنظيم استخدام الماء، وتلافي حدوث أي خلاف بين المستخدمين.

ومن بين القضايا المائية التي ذكرها الونشريسي نازلة تتعلق بتنظيف وادي مصمودة لزيادة الماء فيه، وقد أورد الونشريسي هذه النازلة تحت عنوان: “تنازع الفاسيين والمصموديين في كنس وادي مصمودة” ويتمحور موضوع هذه النازلة في كون جماعة من أصحاب الجنات والزروع أرادوا كنس الوادي لزيادة الماء فيه، لكن سكان المدينة رفضوا المشاركة في عملية الكنس لزيادة ماء الوادي، بحجة أنهم ليسوا معنيين بتلك الزيادة لاكتفائهم بما في النهر من الماء دون كنس.

ومخلص جواب الونشريسي عن هذه النازلة أن الذي يجب عليهم الكنس من أصناف المنتفعين بمياه الوادي، هم من تحصل لهم منفعة من الكنس دون غيرهم، وهم أصحاب الجنات على الخصوص. وقد استند الونشريسي في هذه الفتوى لما ورد في المدونة فيما يتعلق بحريم الآبار، وفيها: ” وإذا احتاجت قناة أو بئر بين شركاء لسقي أرضهم إلى الكنس لقلة مائها، فأراد بعضهم الكنس، وأبى الآخرون، فللذين شاءوا الكنس أن يكنسوا، ثم يكونوا أولى بما زاد من الماء لكنسهم دون من لم يكنس، حتى يردوا حصتهم من النفقة، فيرجعوا إلى أخذ حصتهم من جميع الماء”.

وهكذا نجد مجموعة من النوازل المرتبطة بتدبير الموارد المائية وكيفية استغلالها، وتدبير الخلافات الناشئة حولها، وقد كانت هذه النوازل تعرض على الفقهاء الذين يمثلون المرجعية الدينية من أجل إيجاد أجوبة فقهية مؤسسة على أصول الشريعة وقواعد العلم الشرعي، وكانت تلك الأجوبة والفتاوي تُعتمد في الغالب، ويكون العالِم أو الفقيه مسؤولا عنها، وتؤخذ عنه باسمه، وقد كان بعض هؤلاء المفتين يقيدون فتواهم في سجل موثق بالشهود.

ولقد لعبت مؤسسة الوقف دورا مهما في تدبير شؤون الماء في مختلف مناطق المغرب، وذلك من خلال جمع مياه الأمطار والأنهار والعيون في أحواض وخزانات، والعمل على تزويد جميع المؤسسات الدينية والتعليمية والصحية والاجتماعية بالماء الصالح للشرب.

وقد ساهمت مؤسسة الوقف في استقرار أثمان أجزاء الماء، وأبعدتها عن كل أشكال الاحتكار والمضاربة، وكان من أبرز ما قامت به مؤسسة الوقف، توفيرها الماء بكميات مناسبة في الأماكن الحيوية، عن طريق بناء سقايات عمومية بالأسواق، والأبواب الرئيسية للمدينة، وبالأحياء السكنية. فكانت بذلك التجسيد العملي والتطبيق الميداني لتلك التوجيهات الدينية التي تحث على بذل الماء وتيسيره للعموم.

وقد تنافس المغاربة في وقف السقايات، كما تفننوا في تجميلها بألوان عجيبة من الفنون الزخرفية، وأنواع البناء الجميل والزليج الرفيع، تقديرا منهم للماء وأهميته في استقرار حياة الإنسان.

وقد سجل أبوا الحسن المريني الرقم القياسي في تعمير المغرب بالسقايات، وهذا ما لاحظه علي بن فرحون المدني حين زار المغرب حيث قال:” ما مررت في بلاد المغرب بسقاية ولا مصنع من المصانع التي يعسر فيها تناول المياه للشرب والوضوء فسألت عنها إلا وجدتها من إنشاء السلطان أبي الحسن رحمه الله.

وبما أن الطهارة جزء لا يتجزأ من الممارسة الدينية في التشريع الإسلامي، فقد اعتنى المغاربة بتوفير أماكن الطهارة والنظافة على مر التاريخ؛ وقد تولت الأوقاف إنشاء مجموعة من الحمامات العامة ومحلات الوضوء لتيسير الطهارة لجميع الناس، من أجل أداء الصلوات في أوقاتها.

وقد قام أحد المحسنين بمدينة فاس وهو أبوا عمران موسى بن عبد الله اليازغي، ببناء دار كبرى للوضوء قبالة باب الحافة، من أجل أن تكون عونا للمصلين في تطهرهم وقضاء حوائجهم، حيث اتجه إلى فندق فاشتراه، ثم نقضه وشرع في بناء دار الوضوء، ولما كانت المياه الواصلة إلى هذه المنطقة غير كافية ولا صالحة لما كان يأمله السيد اليازغي، فقد اشترى عينا تسمى “عين خومان” بأضعاف قيمتها وجلب منها الماء إلى دار الوضوء، كما شيد بجانب دار الوضوء سكنى خاصة بالقيم عليها، وخصص له أوقافا تساعده على ضمان حسن سيرها بما يلزمها من إنارة مستمرة وصيانة دائمة.

وبالجملة يمكن القول إن مؤسسة الوقف كان لها دور كبير في تدبير شؤون المياه في المجتمع المغربي، حيث ساهمت بشكل ملحوظ في توفير الماء وجعله حقا مشاعا لجميع الناس، خاصة ما يتعلق منه بالشرب والطهارة والسقي.

ومن القضايا البيئية التي اهتم بها الإسلام ما يتعلق بالثروة الحيوانية، نظرا لما للحيوان من دور كبير في حياة الإنسان، كيف لا وهو الكائن الذي واكب وجود الإنسان فتغذى الإنسان من لحمه ولبنه، ولبس من جلوده، واستدفأ من صوفه ومن شعره ووبره، واستكن واستظل بأخبية وخيام صنعها من جلده ومن شعره ووبره، واستفاد من قوته وسرعته في حمل الأثقال، وفي الانتقال إلى البلاد البعيدة، كما استعمله في حراسته وفي حروبه واحتفالاته.

وتأسيسا على ذلك فقد دعا الإسلام إلى الإحسان إلى الحيوان وحفظ وجوده، وجعَل الاعتداء على الحيوان وتعريضه للتعذيب أو الهلاك من الأسباب الموجبة لدخول النار، كما جعل الإحسان إلى الحيوان وإنقاذه من الهلاك، من الأسباب التي يستحق بها الإنسان مغفرة الله وعفوه.

وللإسلام توجيهات كثيرة بخصوص التعامل مع الحيوان حفلت بها نصوص الكتاب والسنة، وقد أطر الفقه الإسلامي تلك التوجيهات ضمن أحكام فقهية شكلت بمجموعها منظومة فقهية مدارها التعامل مع الحيوان.

ومن ضمن هذه الأحكام أن الفقهاء اتفقوا على أنه لا يجوز اقتناص الحيوان لمجرد اللهو به، ففي النوادر والزيادات: “وكره مالك الصيد للهو به ونهى عنه ورآه سفها ولم يجز قصر الصلاة فيه، وأجاز ذلك لمن يصطاد لعيشه وعيش أهله”.

كما أنهم أوجبوا على من يحلب الشاة أو البقرة أن يبقي لأولادها ما تعيش به، ففي حاشية الصاوي على الشرح الصغير:” ولا يجوز الأخذ من لبن الدابة إلا بالقدر الذي لا يضر بولدها، لأنه يعتبر إخلالا بنفقتها الواجبة”.

ومن هذه الأحكام أيضا أن الفقهاء منعوا التفرقة بين البهيمة وولدها؛ لأن في ذلك ضرر لكليهما. فقد روي عن ابن القاسم” أنه لا يجوز التفرقة بين البهائم وأولادها إلا إذا كان الصغير في غنى عن والدته. وتأول بعض الشيوخ أن التفرقة بين البهائم تعذيب لها، فهي داخلة في النهي عن تعذيب الحيوان”.

ومن الأحكام التي تكتسي طابع الوجوب والإلزام، أن من امتلك حيوانا وجب عليه إطعامه وإذا انعدم الكلأ تأكد في حقه علفه، وإذا لم يفعل ذلك تدخل القضاء فألزمه بذلك أو بيع عليه الحيوان. ففي حاشية الدسوقي على شرح الدردير على مختصر خليل: “إن نفقة الدابة إن لم يكن مرعى واجبة ويقضى بها، لأن تركه منكر، وإزالته تجب بالقضاء. ودخل في الدابة هرة عميت، فتجب نفقتها على من انقطعت عنده بحيث لم تقدر على الانصراف”.

ومن الأحكام التي تستهدف الرفق بالحيوان، عدم تحميله أكثر مما يطيق، أو اللجوء إلى استعمال العنف معه لحمله على المشي أو الجري، أو الركوب عليه دون ضرورة تذكر. وقد ذكر ابن عبد البر أن من الواجب الرفق بالدواب في ركوبها والحمل عليها، وألا تحمل فوق وسعها، وألا تضرب على وجهها، وألا تتخذ ظهورها كراسي ومنابر، وألا تستعمل ليلا إلا أن يروح عليها نهارا؛ لأنها عجم لا تشكوا فوجب الإحسان إليها.

وفي المعيار للونشريسي:” ومنها ما يستخفه بعض الناس من أذى البهائم والعنف على الدواب، كإثقالها من الأحمال ما لا تطيق، أو إرهاقها في سرعة المشي بالضرب والزجر الشديد، وهذا من المناكر التي ينبغي منعهم منها، ولا حجة له في كونها ملكه، فإن الحيوان محترم وحفظ النفوس واجب”.

ومن اجتهادات الفقهاء أيضا أنهم أجازوا التيمم لمجرد الخوف على الحيوان من العطش، ففي حاشية العدوي:” إذا خاف عطش حيوان محترم معه في رفقته من آدمي أو بهيمة ملكه أو ملك غيره ولو كانت قردا أو دبا، فإنه يترك الماء لذلك ويتيمم”.

ولقد تمثل المغاربة دعوة الإسلام إلى الرفق بالحيوان والإحسان إليه، تمثلا عمليا من خلال صور متعددة من أعمال البر والإحسان التي استهدفت الرفق بالحيوان، ومن ذلك تخصيص أوقاف للحيوانات المريضة والعاجزة، وأوقاف أخرى لإطعام الطيور في أزمنة البرد الشديد، وأوقاف لعلاج الطيور المكسورة.

وقد وجدت بمدينة فاس أوقاف خاصة على نوع من الطيور كانت تأتي في فترات معينة من السنة، حيث أوقف لها بعض الفضلاء ما يعينها على البقاء ويسهل لها العيش في تلك المدة من الزمن، وكأن هؤلاء رأوا بأن هذه الطيور المهاجرة الغريبة لها على أهل البلد حق الضيافة والإيواء، لذلك سعوا إلى إكرام وفادتها بهذه الأوقاف.

وكان أحد أعيان مدينة فاس وهو محمد بن موسى الإشبيلي المتوفى بها عام 758ه قد أوقف دارا للحيوانات الأليفة حيث كان يسهر عليها ويطعمها بيده. كما وجدت في حوز فاس بلاد موقوفة على شراء الحبوب برسم الطيور حتى تلتقطها كل يوم من المرتفع المعروف بكدية البراطيل عند باب الحمراء داخل باب الفتوح وأيضا عند كدية البراطيل خارج باب الجيسة.

وكان بمدينة فاس مستشفى يقوم بمعالجة الحيوانات المكسورة وهو مستشفى سيدي فرج، حيث كان هذا الأخير ملجأ للطيور وخاصة طائر اللقلاق، فكان إذا انكسر لقلاق أو أصيب بأي أذى يحمل إلى سيدي فرج، فتصرف جراية لمن يضمده ويطعمه، وفي هذا الصدد يقول الدكتور عبد الهادي التازي: “وكان يعتني بصحة الإنسان والحيوان والطير، وخصصت به أوقاف لعلاج الطيور خاصة طيور اللقلاق إذا انكسرت أو أصيبت بأي أذى، ويصرف من هذه الأوقاف على من يضمدها ويداويها ويطعمها”.

وهذا كله يفيد أن التربية البيئية في الحضارة الإسلامية كما يقول الدكتور مصطفى بن حمزة، قد امتزجت بالتربية الدينية، وأن الإخلال بالبيئة عند المسلمين اليوم إنما نتج عن ضعف التربية الدينية أصالة.

ومن القضايا البيئية التي اهتم بها الإسلام ما يتعلق بالثروة النباتية، فإذا كان القرآن قد حدد الهدف الرئيسي من وجود الإنسان فوق الأرض وهو خلافة الله في الأرض وإعمارها بالخير والصلاح، فإن من مستلزمات هذا الإعمار العناية بالغرس والتشجير والتخضير، وبكل ما من شأنه أن يسهم في تنمية الأنشطة الزراعية وتوسيع المساحات الخضراء.

ولقد دعا الإسلام الإنسان المسلم إلى الانخراط في تحقيق عمارة الأرض بالغرس ورغبه في الإقبال على غرس الأشجار والإكثار من الزروع والنباتات، كما سن له مجموعة من الصيغ والمعاملات المشجعة على الغرس والتشجير كالمساقاة والمزارعة والمغارسة والمناصبة وغير ذلك من المعاملات الأخرى.

وقد وردت في كتب الفقه الإسلامي عموما والفقه المالكي على وجه الخصوص مباحث عديدة تتحدث عن أحكام الغرس والزرع، كما تضمنت هذه الكتب نصوصا داعية إلى الاشتغال بالغرس، من ذلك ما كتبه ابن الحاج العبدري (ت737) وهو من علماء المغرب في كتابه المدخل حيث يقول: “فالزراعة من أعظم الأسباب وأكثرها أجرا، إذ إن خيرها متعد للزارع ولإخوانه المسلمين وغيرهم من الطير والبهائم والحشرات فكل ذلك ينتفع بزراعته”.

ولعل من أبرز مظاهر العناية بالثروة النباتية في إطار الفقه المالكي أن فقهاء المذهب المالكي في المغرب والأندلس أجازوا غرس الأشجار في أفنية المساجد خلافا لما ذهب إليه مالك، وجعلوا ثمار تلك الأشجار مبذولة للجميع يأكل منها من شاء. وبناء على هذه الفتوى فقد أصبح معهودا أن تغرس في أفنية مساجد المغرب أشجار وحدائق. وأصبحت بعض المساجد تسمى بأسماء ما غرس فيها من الأشجار.

ومن مظاهر العناية بالثروة النباتية، إقرار ما يسمى بحريم الأشجار، ذلك أن الفقهاء اعتبروا أن الحيز الذي يحتاجه النبات، لتغوص فيه جذوره، وتمتد فيه أغصانه، هو مجاله الحيوي؛ لأنه يتيح له امتصاص الماء، واستمداد المواد العضوية منه، وبالتالي لا يحق لأحد أن يغرس شجرة في حريم شجرة أخرى؛ لأن جذور الأشجار تختلف في حاجتها إلى الانتشار، ولأن أغصانها تتفاوت في تمددها، كما أن حاجتها إلى التمدد تتباين.
ومن التشريعات الفقهية الحمائية التي تجسد العناية بالثروة النباتية ما قال به الفقهاء من أنه إذا وجدت شجرة فادعى الجار أنها تلحق به ضررا وطالب باقتلاعها، فإنه ينظر في الأمر، فإذا كانت الشجرة قديمة قبل بناء البيت

فإنها لا تقلع، لأنها هي الأصل، والبيت طارئ عليها، وإذا كانت الشجرة حادثة بعد البناء فإنه يقلع من أغصانها الممتدة ما سبب الضرر فقط. وإذا وجدت شجرة في بناء بيت وكان صاحبها يطل منها على الجيران حين يجني ثمارها، فإنها لا تقطع، وإنما يجب على صاحبها أن يعلم الجار متى أراد الصعود لجني الثمار.

ولقد استوعب المغاربة دعوة الإسلام إلى الاهتمام بتكثير الغطاء النباتي والمحافظة عليه، ومن ثم فقد عملوا على نشر الخضرة وتوسيع المساحات الخضراء، استلهاما من القرآن الكريم الذي صور الخضرة على أنها لون الجنة الأساس، وقد كان من أثر هذا الاحتفاء باللون الأخضر الطبيعي، أن أنشئت في المغرب مجموعة من الحدائق والبساتين التاريخية، حيث أنشأ عبد المومن الموحدي بمراكش بستانا واسعا سماه بستان المسرة، وجلب له الماء من أغمات، كما أنشأ بستان الصالحة وهو من بساتين أكدال، ولا زال مشهورا بهذا الاسم إلى الآن. وأنشأ الموحدون بساتين أخرى في مكناس وفاس وتازة وسبتة وغيرها من المدن. كما أنشأ المرينيون مجموعة من الحدائق بفاس أشهرها حديقة روض الغزلان، وحديقة أخرى سميت بستان آمنة، نسبة إلى آمنة بنت السلطان المريني أحمد بن أبي سالم. وأنشأوا حديقة المصارة بالضاحية الشمالية لفاس، وهي فضاء واسع للتنزه، كما أنشأوا فضاء آخر في ناحية تازة عند مزارع بني عبد الله.

ومن أشهر البساتين التاريخية بالمغرب، حدائق شالة، وقصبة الأوداية. وحديقة جنان السبيل بفاس، وقد أنشأها السلطان سيدي محمد بن عبد الله في القرن الثامن عشر، وتبلغ مساحتها 8 هكتارات، وتضم حوالي ألف نوع من الأغراس، وبعضها نادر لا يكاد يوجد إلا في الصين وفي الهند.

#البعد #الديني #وأثره #في #تشكيل #ملامح #الشخصية #المغربية

زر الذهاب إلى الأعلى